بقلم عمر لمغيبشي
ظهر تقرير عدم المساواة العالمية (World Inequality Report) في سياق عالمي اتسم، منذ نهاية القرن العشرين، بتصاعد الفوارق الاقتصادية والاجتماعية نتيجة التحولات العميقة التي عرفها النظام الرأسمالي العالمي. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، ومع صعود السياسات النيوليبرالية، وتراجع دور الدولة الاجتماعية، وتحرير الأسواق المالية، بدأت مؤشرات عدم المساواة في الارتفاع بشكل مهول داخل الدول وفيما بينها.
وفي هذا السياق، تأسس مختبر عدم المساواة العالمية(World Inequality Lab) كمبادرة بحثية دولية يقودها باحثون ومختصون وخبراء في الاقتصاد السياسي والتاريخ الاقتصادي، بهدف إنتاج معرفة علمية دقيقة حول تطور توزيع الدخل والثروة على المدى الطويل. ويعد التقرير ثمرة عمل جماعي يشارك فيه عشرات الباحثين والخبراء والمختصين من مختلف القارات، مستندين إلى قواعد بيانات تاريخية ومقارنات دولية واسعة.
ومنذ صدور أولى نسخه، لم يكن التقرير مجرد أداة إحصائية، بل مشروعا معرفيا يسعى إلى تفكيك الأسس البنيوية لعدم المساواة، وربط الاقتصاد بالتاريخ، والسياسة بالاختيارات الاجتماعية. ويأتي تقرير 2026- الذي يقع في 24 صفحة مركزة- امتدادا لهذا المسار، في لحظة عالمية تتقاطع فيها الأزمات الاقتصادية، والمناخية، والقيمية، والأمنية.
تركز الثروة: اختلال عالمي في بنية التوزيع
يظهر هذا التقرير أن العالم يعيش حالة تركز مفرط للثروة. إذ يمتلك 10٪ من سكان العالم نحو 75٪ من إجمالي الثروة العالمية، في حين لا تتجاوز حصة 50٪ من السكان الأكثر فقرا حوالي 2٪ فقط (الملخص التنفيذي، ص. 8-10).
ويكشف التقرير عن مستوى أكثر تطرفا من هذا التركز، حيث يمتلك أغنى 0.001٪ من سكان العالم ثروة تفوق بثلاث مرات ما يمتلكه نصف البشرية مجتمعة (ص. 11). ويعكس هذا الواقع تحول الثروة إلى مجال احتكار مغلق، تنتقل داخله الامتيازات عبر آليات مالية ومؤسساتية معقدة، بعيدة عن منطق الاستحقاق الاجتماعي.
عدم المساواة في الدخل: نمو بلا عدالة
على مستوى الدخل، تشير بيانات التقرير إلى أن 10٪ من السكان يستحوذون على حوالي 53٪ من الدخل العالمي، بينما لا يحصل النصف الأدنى من البشرية إلا على نحو 8٪ (ص. 12–13).
ويؤكد التقرير أن النمو الاقتصادي العالمي لم يؤد إلى تقليص الفجوة، بل ساهم في توسيعها، حيث استفادت منه الفئات العليا بشكل غير متناسب، في مقابل هشاشة متزايدة للفئات الوسطى والدنيا. وهكذا يتحول النمو إلى عنصر تعميق عدم المساواة بدل أن يكون أداة للعدالة الاجتماعية.
عدم المساواة الترابية: الجغرافيا كقدر اجتماعي
ولا تتجلى اللامساواة فقط بين الأفراد، بل أيضا بين الأقاليم والدول. فالتقرير يبرز تفاوتا حادا بين الشمال والجنوب، كما يكشف عن فجوات داخلية عميقة داخل الدول نفسها.
وفي عدد من الدول ذات النمو المرتفع، تتركز الثروة في مناطق محددة، بينما تعيش مناطق أخرى التهميش وضعف البنيات الأساسية. ويؤدي هذا الخلل الترابي إلى شعور بالحرمان، ويغذي التوترات الاجتماعية، ويقوّض الثقة في الدولة والمؤسسات.
عدم المساواة بين الجنسين: استمرار الظلم البنيوي
يسلط تقرير 2026 الضوء على استمرار الفجوة الجندرية، حيث لا تتجاوز حصة النساء من الدخل العالمي 26٪ (الفصل الثالث، ص. 72–75). ويرتبط هذا الوضع بتوزيع غير عادل للعمل، خاصة العمل غير المؤدى عنه المرتبط بالرعاية والأسرة.
ويؤكد التقرير أن تجاهل هذا النوع من العمل في الحسابات الاقتصادية يعمّق عدم المساواة ويخفي أحد أهم مصادر الظلم البنيوي في المجتمعات المعاصرة.
عدم المساواة وتغير المناخ: أزمة عدالة عالمية
من أبرز ما يميز تقرير 2026 الربط الواضح بين عدم المواسم الاقتصادية والأزمة المناخية. فوفق المعطيات، يتحمل 10٪ من الأكثر ثراء مسؤولية نحو 77٪ من الانبعاثات المرتبطة بالاستهلاك المرتفع ورأس المال، في حين تساهم الفئات الفقيرة بنسبة ضئيلة جدا (الفصل الرابع، ص. 98–101).
وفي المقابل، تتحمل المجتمعات الهشة العبء الأكبر لآثار التغير المناخي، من كوارث طبيعية، ونقص الموارد، وهجرات قسرية. ويبرز هنا التناقض الأخلاقي العميق بين من يسبب الأزمة ومن يدفع ثمنها.
عدم المساواة، والعنف، وعدم الاستقرار
يربط التقرير بين تصاعد عدم المساواة وبين العنف، وانعدام الأمن، وتآكل الثقة الاجتماعية. فكلما اتسعت الفجوة بين الفئات الاجتماعية، زادت قابلية المجتمعات للاضطراب، وصعود الخطابات المتطرفة، ورفض النظام القائم (الخاتمة، ص. 134–138).
وتتحول عدم المساواة، في هذا السياق، من مسألة اقتصادية إلى مشكلة سياسية وحضارية تهدد أسس التعايش والسلم الاجتماعية.
يكشف تقرير عدم المساوة بالعالم لعام 2026 أن العالم يقف أمام مفترق طرق. فالاستمرار في تطبيع الفوارق الفاحشة يعني القبول بعالم غير مستقر، وغير عادل، وغير قابل للاستدامة. أما مواجهة عدم المساواة، فليست خيارا تقنيا فحسب، بل قرارا أخلاقيا وحضاريا.
إن العدالة الاجتماعية، والعدالة الترابية، والعدالة المناخية، ليست شعارات، بل شروط أساسية لبقاء المجتمعات وقدرتها على مواجهة المستقبل. وتحويل هذا الوعي إلى فعل سياسي ومعرفي هو التحدي الحقيقي الذي يطرحه تقرير 2026 على الإنسانية جمعاء.
31 décembre 2025 - 20:00
27 novembre 2025 - 10:00
24 novembre 2025 - 11:00
11 août 2025 - 14:00
23 juillet 2025 - 16:00
30 décembre 2025 - 11:00