مواطن
الدكتور عمر لمغيبشي
ألقى الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي خطابه في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي الحالي في لحظة مفصلية من تاريخ النظام الدولي تتسم باستمرار الأحادية الأمريكية وتعمق العولمة غير المتكافئة وتصاعد التوتر بين منطق السوق ومنطق العدالة الاجتماعية وقد جاء الخطاب محملا بأطروحات فلسفية واقتصادية متماسكة داخليا تدافع عن الرأسمالية الحرة باعتبارها نظاما أخلاقيا وعادلا وفعالا غير أن قوة الخطاب المفاهيمية لا تعفيه من النقد خاصة حين يقرأ خارج إطاره النظري وفي ضوء البنية الفعلية للاقتصاد العالمي المعاصر.
ينطلق الخطاب من افتراض مركزي مفاده أن الإشكال الأساسي في السياسات العامة الحديثة هو هيمنة النفعية السياسية وما نتج عنها من تبرير للتدخل الحكومي وانتهاك الحقوق الطبيعية باسم الكفاءة أو العدالة الاجتماعية هذا التشخيص رغم وجاهته في نقد بعض التجارب التدخلية يعاني من نزعة اختزالية ترجع أزمات الاقتصاد المعاصر إلى الدولة وحدها متجاهلا أن السوق ذاته لم يعد فضاء تلقائيا للتنسيق الحر بل أصبح جزءا من منظومة قوة عالمية شديدة التركز.
فالرأسمالية التي يتحدث عنها الخطاب بوصفها نظاما قائما على التبادل الطوعي وحرية المبادرة ليست هي الرأسمالية السائدة فعليا على المستوى العالمي الواقع يكشف عن رأسمالية مالية معولمة تتحكم فيها مراكز نقدية وبنكية كبرى وتدار عبر مؤسسات دولية تفرض شروطا غير متكافئة على الدول الأضعف في هذا السياق يصبح الحديث عن الحرية الاقتصادية دون معالجة اختلالات القوة البنيوية أقرب إلى توصيف معياري منه إلى تحليل واقعي. كما أن الربط الحتمي الذي يقيمه الخطاب بين الملكية الخاصة والعدالة يتجاهل التحولات التي طرأت على طبيعة الملكية نفسها فالملكية في الاقتصاد المعاصر لم تعد محصورة في الأصول المادية أو المشاريع الإنتاجية بل امتدت إلى البيانات والمنصات الرقمية والخوارزميات والملكية الفكرية هذا التحول أفرز أشكالا جديدة من الاحتكار لا تقوم على القسر المباشر بل على السيطرة البنيوية على المعرفة والبنية التحتية وهو ما يطرح تحديا أخلاقيا لا يمكن حله فقط بالعودة إلى مبادئ التملك الأصلي وعدم الاعتداء.
ويتضح هذا التناقض بشكل أكبر في موقف الخطاب من الدولة والتنظيم فالدعوة إلى تقليص دور الدولة إلى حدوده الدنيا تفترض أن السوق قادر بذاته على تصحيح اختلالاته غير أن التجربة التاريخية تظهر أن غياب الأطر التنظيمية لا يؤدي بالضرورة إلى ازدهار المنافسة بل كثيرا ما يقود إلى تركز اقتصادي أشد وهيمنة فاعلين قادرين على تعطيل آليات السوق نفسها بهذا المعنى فإن الراديكالية الليبرالية التي ترفض التنظيم بوصفه اعتداء على الحرية قد تنتهي بشكل مفارق إلى تقويض الحرية الاقتصادية التي تسعى إلى حمايتها.
أما في ما يخص الكفاءة الديناميكية فإن التركيز الحصري على الوظيفة الريادية يتجاهل الأبعاد الاجتماعية والمؤسسية التي تجعل الابتكار ممكنا ومستداما فريادة الأعمال لا تنشأ في فراغ بل تتطلب استقرارا اجتماعيا وبنية تعليمية ونظما قانونية قادرة على حماية الحقوق وتسوية النزاعات التقليل من شأن هذه الأبعاد أو اختزالها في مجرد نتائج تلقائية للسوق يفضي إلى قراءة غير مكتملة لمسار النمو الاقتصادي.
ويزداد هذا الإشكال تعقيدا عند الانتقال إلى الذكاء الاصطناعي فالخطاب يعامل هذه التكنولوجيا بوصفها امتدادا طبيعيا لمنطق الابتكار الريادي متوقعا أن السوق كفيل بتحديد حدودها وضبط آثارها غير أن الواقع يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يتطور ضمن منظومات احتكار معرفي حيث تتركز البيانات والقدرات الحاسوبية في أيدي عدد محدود من الشركات والدول في ظل هذا الواقع يصبح غياب التنظيم ليس ضمانا للحرية بل عاملا لتعميق التفاوتات الاقتصادية والمعرفية وربما السياسية.
وعلى المستوى الدولي يظل الخطاب صامتا نسبيا إزاء التناقض بين الدعوة إلى عدم الاعتداء اقتصاديا والممارسات الفعلية للنظام العالمي حيث تستخدم العقوبات والحصار المالي والقيود التكنولوجية كأدوات ضغط سياسية هذا الصمت يحد من الطابع الكوني للأطروحة ويجعلها أكثر قابلية للتطبيق داخل دول بعينها وأقل قدرة على معالجة مظالم النظام الاقتصادي العالمي ككل.
من هنا يمكن القول أن خطاب الرئيس الأرجنتيني يقدم نقدا حادا للدولة التدخلية لكنه لا يقدم نقدا مكافئا للرأسمالية المهيمنة في صورتها المعاصرة فهو يدافع عن نموذج نظري للسوق الحرة بينما يتعامل بحذر مع واقع السوق الفعلي المشبع بالقوة والاحتكار كما أن الراديكالية الليبرالية التي يتبناها الخطاب رغم وضوحها المفاهيمي تظل محدودة القدرة على الإجابة عن أسئلة العدالة البنيوية والتفاوت العالمي والاستدامة الاجتماعية.
لا يعني هذا التقليل من قيمة الخطاب أو إنكار مساهمته في إعادة طرح سؤال الأخلاق في الاقتصاد على العكس تكمن أهميته في كونه يعيد هذا السؤال إلى الواجهة ويكسر المسلمات النفعية السائدة غير أن تحويل هذه الرؤية إلى مشروع عالمي قابل للتطبيق يقتضي تجاوز الثنائيات الحادة بين الدولة والسوق والاعتراف بأن الحرية الاقتصادية لكي تكون عادلة ومستدامة تحتاج إلى أطر مؤسسية تقيد الهيمنة بقدر ما تقيد التدخل وتوازن بين المبادرة الفردية والمسؤولية الجماعية وبين السوق كآلية تنسيق والعدالة كغاية حضارية.
23 janvier 2026 - 22:00
23 janvier 2026 - 09:00
22 janvier 2026 - 20:30
22 janvier 2026 - 12:40
21 janvier 2026 - 15:00
17 janvier 2026 - 11:00