عبد القادر الفطواكي
بعد أكثر من عشرين سنة على صدور التقرير الختامي لـ"هيئة الإنصاف والمصالحة"، لا يبدو أن ملف العدالة الانتقالية في المغرب قد استنفد أسئلته. فالتجربة التي قُدِّمت، زمن إطلاقها، باعتبارها خطوة غير مسبوقة في العالم العربي نحو طيّ صفحة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، عادت اليوم لتحتل موقعاً مركزياً في النقاش العمومي، ليس فقط من زاوية تقييم الحصيلة، بل من حيث مساءلة أفقها وحدودها ورهاناتها المستقبلية.
لقد شكّلت الهيئة، منذ إحداثها سنة 2004، لحظة سياسية وحقوقية فارقة في مسار الدولة المغربية، إذ انتقلت مقاربة ماضي “سنوات الرصاص” من منطق الإنكار أو التدبير الأمني الصرف إلى منطق الاعتراف المؤسسي، وجبر الضرر، والسعي إلى المصالحة. غير أن مرور عقدين على تلك اللحظة التأسيسية يفرض إعادة طرح أسئلة الذاكرة والحقيقة وضمانات عدم التكرار في ضوء تحولات دستورية ومؤسساتية كبرى عرفتها البلاد، خاصة بعد دستور 2011، وفي ظل رهانات اجتماعية وثقافية جديدة.
فهل كانت العدالة الانتقالية مجرد محطة ظرفية لمعالجة ملفات محددة زمنياً ؟ أم أنها حلقة ضمن مسار تاريخي أطول لتدبير العنف السياسي في المغرب؟ وهل نجحت في تحويل الذاكرة من سرديات فردية للضحايا إلى عنصر مؤثر في بناء السياسات العمومية؟ ثم إلى أي حد استطاعت أن تُحدث قطيعة مع أنماط ممارسة السلطة، أم أنها أعادت إنتاجها ضمن صيغ أكثر حداثة؟
في هذا السياق، أجرينا هذا الحوار مع الأستاذ خالد أوعسو، أستاذ التاريخ الراهن بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، والباحث في قضايا الذاكرة والعنف السياسي وتحولات الدولة المغربية. يقدّم أوعسو قراءة تاريخية وفكرية معمّقة لتجربة العدالة الانتقالية، واضعاً إياها ضمن سياق زمني طويل يتجاوز المقاربة الحقوقية الصرفة، ليطرح أسئلة الدولة والهوية وبنية السلطة، والعلاقة المعقدة بين الذاكرة والتاريخ.
حوار يحاول تفكيك ما تحقق، واستشراف ما ينبغي التفكير فيه اليوم، في أفق تعزيز دولة الحق والقانون وضمان عدم تكرار مآسي الماضي.
نص الحوار:
- كيف يمكن قراءة تجربة العدالة الانتقالية في المغرب ضمن سياق تاريخي طويل لتدبير العنف السياسي، وليس فقط كمرحلة ظرفية مرتبطة بسنوات معينة؟
الجواب على هذا السؤال يستدعي الوقوف عند النقط التالية:
أولا: أن المقصود بالعدالة الانتقاليةعموما جملة تدابير وإجراءات وآليات تهدف إلى إعادة رسم معالم الوضع الحقوقي والسياسي والمؤسساتي من خلال معالجة انتهاكات جسيمة حدثت خلال فترة زمنية لازال تأثيرها ممتدا في الحاضر، إنها بعبارة أخرى مسلسل توافقي يتجه إلى الانتقال من وضعية الانتهاك إلى آفاق الحماية للحقوق والحريات، مع التأكيد في هذا الصدد على تباين المداخل المؤسسة لهذا الانتقال بحسب خصوصية تجارب الدول.
ثانيا: أن ما يشكل خصوصية العدالة الانتقالية ليس نظرها في مسائل جزئية وقضايا محددة منفصلة مبدئيا عن أي اعتبارات سياسية، بل اتجاهها نحو استحضار الظرفية السياسية والانتماء السياسي في بناء أحكامها ، وهو ما يجعل أفقها مجتمعيا يهدف إلى تعزيز الديمقراطية ، الشيء الذي يجعل أداءها ومردوديتها مرتبط بمدى قدرتها على تحقيق الانتقال من دولة الانتهاك المنظم والقصدي إلى دولة المواطنين.
إن هذا الترابط بين اللحظي (معالجة ملفات وضعت داخل الأجل وتدخل ضمن الاختصاص) والسياسي (التوافق) والاستراتيجي (تقعيد دولة المواطنة وحقوق الإنسان) يجعل من العدالة الانتقالية مسلسلا تراكميا يبدأ بالقوانين والآليات والمؤسسات وينتهي بالذهنيات، على اعتبار ان العنف عموما والعنف السياسي تحديدا ليس فقط ممارسة بل بنية ثقافية تستدعي الزمن الطويل.
- تحدثتم خلال ندوة علمية بالدار البيضاء عن “الهوية المزدوجة” للدولة المغربية بين البعد السلطاني والمخزني؛ كيف أثّر هذا المعطى التاريخي في أنماط ممارسة السلطة وفي طرق معالجة الذاكرة الجماعية؟
المقصود ببساطة أننا لم نعرف نفس مسارات التحول الذي عرفته الحداثة الغربية، حيث نظرة جديدة اتجاه الطبيعة (الإيمان بالقوانين)، واتجاه الإنسان (المواطن الفاعل)، واتجاه المجتمع (التعاقد)، لذلك ظل العنف بنية مستحكمة في ظل اقتصاد الندرة، وغياب ضوابط مدنية تضع حدودا للتسلط.
وعليه، شكل العنف المادي والثقافي تاريخيا آلية ضابطة لمخرجات النفوذ والسلطة التي يتداخل فيها الدنيوي بالرمزي الديني،لنكون في الواقع أمام "معطى" مؤطر للنسق السياسي والاجتماعي والثقافي. يتعلق الأمر بوجود هوية مزدوجة: سلطانية من حيث المرجعية الثقافية والدينية المؤسسة للمشروعية (البيعة وطاعة أولي الأمر)، ومخزنية من حيث هيكل الدولة (دور القبيلة والزاوية والنسب الشريف)، مع ما يرتبط بذلك من احتكار للسلطة وإعادة توزيعها بطريقة يضمن انتشارها واستمراريتها عبر إفراد مساحة دالة للرمزي باعتبار قدرته على تأمين الخضوع بطريقة سلمية وإلا كرها.
وللإشارة، فرغم عمليات التحديث الجزئي الذي ارتبط بمرحلة الحماية، ظل المغرب وفيا لهذه البنية الهجينة التي بقدر ما احتضنت العنف، بقدر ما عملت على احتوائه وتدبيره، بل وحتى تحويله إلى موضوع للتداول المجتمعي، كما حدث مع تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة. وهنا وجب التأكيد أن هذا التدبير كان إراديا وفي ظل استمرارية نفس نظام الحكم، ما يعكس جانب القطيعة والاستمرارية في تدبير الأحداث والسياقات والذاكرة : قطيعة من حيث أن الأمر يتعلق بآلية حديثة تشترك مع تجارب دولية ، واستمرارية من حيث كونها حاملة للخصوصية المغربية من حيث القرار والتشكيلة والاختصاص وآليات الاشتغال وسقف المخرجات. إنها باختصار نتاج هذه الهوية المزدوجة.
- إلى أي حد نجحت هيئة الإنصاف والمصالحة في تحويل الذاكرة من مجرد سرديات للضحايا إلى عنصر مؤثر في بناء السياسات العمومية ومستقبل الدولة؟
السردية مهمة لأنها تحكي عن العنف الممارس على الضحايا، ولعل أهميتها في اعتقادي تكمن في جانبين: يرتبط الأول بالطابع العمومي والسياسي لعمليات السرد التي مكنت من تحرير الذاكرة الفردية والجماعية من خلال عمليات البوح التي احتضنتها جلسات الاستماع العمومي، وما رافق ذلك من توسيع لمجال الكتابة والنشر سواء المتعلق بتجربة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، أو ما له علاقة بالتناول الأكاديمي للسياقات ومخرجات العدالة الانتقالية في صيغتها المغربية. ثانيا الطابع الإرادي والتوافقي الذي سمح بترتيب برامج احتضنتها السياسات العمومية – رغم الإكراهات التي تشوبها- حيث الأمر يتعلق أساسا بجبر الضرر الفردي من تعويض وإدماج وتأهيل صحي، وكذا جبر ضرر مناطق الانتهاكات من خلال برامج ذات طابع تنموي، دون إغفال تأهيل الفضاءات والأماكن الشاهدة على العنف . الأساسي في نطري هو انتقال تجربة الإنصاف والمصالحة من صيغة الأنشطة ثم البرامج إلى "المشروع" من خلال أجرأة العديد من التوصيات في صيغة إصلاحات دستورية مع دستور 2011 أو تعديلات قانونية (القانون الجنائي مثلا ) أومؤسساتية (ملامح الحكامة الأمنية- استقلال القضاء على السلطة التنفيذية ).
- في ظل التحولات الراهنة، ما هي الأسئلة الجديدة التي يجب أن يطرحها الباحثون والمؤرخون حول علاقة الذاكرة بالعنف السياسي لضمان عدم تكرار الانتهاكات؟
بداية وجب التمييز بين الذاكرة والتاريخ، فالأولى تحيل عموما على فعل فردي معيش، على استعادة لشيء ترسخ عبر أحداث (مآسي- عنف...). ولأن عملية الاستعادة تنتظم ضمن زمان ومكان محددين، فإنها بكل تأكيد تعدو انتقائية تحركها أسئلة الحاضر ورهاناته، إنها في الواقع ذاكرة للانتماء مادامت تنزع نحو تمكين الجماعة من ممتلك رمزي يرسم الحدود مع الغير، هكذا فالذاكرة الجمعية لليساري تختلف عن الإسلامي ...، وعليه تبرز للوجود "مواجهات الذاكرة" التي ليست سوى تجسيد لصراع بين مشروعيات مختلفة كل واحدة تستبطن "وعيها" الخاص.
أما التاريخ فهو بناء كلي، يضع مسافة مع الحاضر والماضي، فما يميزه كونه يحلل، يريد أن يفهم، يتأطر وفق نظام نقدي إشكالي يعطي لنفسه إمكانية للتأويل بعيدا عن كل نزعة إيديولوجية ضيقة تنأى بصاحبها نحو مستنقع التعصب. ليس التاريخ إذن إظهار لما هو مدوّن ولكل ما يترك أثرا، إن جرأته تكمن في اقتحام ما يتم تحاشيه والسكوت عنه والرغبة في عدم إظهاره، وهو في سعيه هذا يصير مثل تلك القطرة التي تحاول أن تطهّر الذات من كل آفات الزمن وطبقاته التي ترسخت عبر ذاكرة مثقوبة أو تاريخ محروس تُصاغ أحداثه وتفاصيله عبر مؤسسات تبحث عن الضبط والتوجيه، أكثر من البحث عن الوقائع وتفكيكها.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن عودة المؤرخ للذاكرة ليست عودة فجة، بل هي بكل تأكيد ذات صلة بحرفته. لكن مع ذلك وجب التأكيد في هذا المضمار أن ما يسم الذاكرة هو اتصافها بالتضامن، بحيث يصعب اختراقها وإعادة بنائها، بالرغم من الحاجة إلى مقاربتها نقديا. فبمثل ما نحن بحاجة – كما يقول هابرماس– إلى الذاكرة باعتبارها حقا، نحن في حاجة أيضا إلى الحق في التاريخ.
من هذا المنطلق يمكن لمؤرخ الراهن والباحث عموما التفكير وطرح أسئلة كبرى من قبيل:
-ما موقع الحقيقة بين ماضي الانتهاكات والحاضر، وماهي مداخل مساهمة العمل الأكاديمي في بناء الوعي التاريخي والحقوقي؟.
-هل شكل الإقرار بوجود ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان لحظة مكاشفة للذات؟
-هل أسهمت تقارير الهيئة والكتابة حول المرحلة في تشكيل صورة عن السياقات التاريخية للانتهاكات وبالتالي الوعي بحجم الضرر الجماعي؟
-هل مكنت جلسات الاستماع العمومي من تحرير الذاكرة؟
-هل يسهل بناء "حقيقة " العنف خارج ذاكرة توافقية؟
-هل العنف كان ذا مصدر أحادي أم أن الأمر يتطلب الإقرار بوجود عنف غير دولتي؟
-هل يمكن الموازنة بين الحق في الحقيقة والحق في الصفح؟
هل شكلت تجربة الإنصاف والمصالحة لحظة قطيعة مع الاستمرارية أم أن الواقع التاريخي كان أقوى من كل الطموحات التي رافقت التجربة؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها تشكل مداخل ذات أهمية لتحرير الذاكرة واستيعاب ما الذي جرى؟ وكيف جرى؟ ولأية أهداف؟...لكن ضمن منظور تراكمي ذا نفس إصلاحي يسمح بالانتقال من وضعية الانتهاك إلى دولة الحق والقانون.
- كسؤال أخير: بعد أكثر من عقدين، هل يجب التفكير في (جيل ثان) من العدالة الانتقالية يجيب عن أسئلة لم تُطرح سابقا؟
الأكيدوقع تحول اليوم يعد عقدين من تجربة الإنصاف والمصالحة، وهو تحول يسهل ملاحظته مقارنة مع ما سمي بسنوات الرصاص حيث كان العنف ذا طبيعة ممنهجة ومؤسسية، بل نظاما ثقافياأطر علاقة الدولة بمعارضيها، وكذا علاقة الأحزاب فيما بينهم ، حيث لا تنسى وجود عنف غير دولتي. اليوم نحن في حاجة إلى أمرين: يتعلق الأول باستمرار أجرأة توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة خاصة ما له علاقة بحفظ الذاكرة وضمانات الحقوق والحريات. أما الثاني، فيرتبط بتوسيع جانب المصالحة لتشمل على الأقل ثلاث قضايا كبرى:
قضية الهوية في شقها المتعلق يالمصالحة مع الثقافة واللغة الأمازيغيين.
قضية الهجرة وما يرتبط بتأمين المشاركة السياسية لخمس المغاربة.
وقضية المرأة من خلال اختيارات قانونية وسياسات عمومية منصفة.
والغاية طبعا تعزيز مداخل دولة الحق والقانون.
26 février 2026 - 11:00
25 février 2026 - 16:00
24 février 2026 - 16:23
24 février 2026 - 10:00
24 février 2026 - 09:00
مواطن حمدي19 février 2026 - 12:00