عبد القادر الفطواكي
لم يكن الشريط الوثائقي الذي بثته قناة “فرانس 5” حول العلاقات المغربية الفرنسية حدثا إعلاميا عاديا، بل جاء محمّلا بإشارات متعددة تتجاوز ظاهر “التحليل التاريخي والسياسي” إلى ما يشبه إعادة إنتاج خطاب نقدي قديم، مشحون بانتقائية واضحة وتوجهات لا تخلو من أحكام مسبقة. فالعمل، الذي أعده "بينوا برينجيه" وأخرجه "جون لويس بيريز"، لم يقدم إضافة نوعية بقدر ما أعاد تدوير ملفات مثيرة للجدل، سبق أن أُثيرت في سياقات مختلفة، دون الحرص على تحيينها أو مقاربتها بزاوية متوازنة.
توقيت يطرح أكثر من سؤال
أول ما يثير الانتباه في هذا الوثائقي هو توقيت بثه، الذي يتزامن مع مرحلة دقيقة من العلاقات المغربية الفرنسية، تتسم بعودة الدفء وإعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية بين البلدين. فبعد سنوات من التوتر الصامت، بدأت الرباط وباريس في بناء مقاربة جديدة قوامها الشراكة المتكافئة والمصالح المشتركة، وهو ما تُرجم في مواقف سياسية ودبلوماسية لافتة.
في هذا السياق، يبدو بث عمل إعلامي يعيد فتح ملفات خلافية قديمة، وكأنه محاولة للتشويش على هذا المسار، أو على الأقل التعبير عن عدم رضا بعض الأوساط عن هذا التقارب. وهنا يبرز التساؤل: هل نحن أمام عمل صحفي مستقل، أم أمام خطاب يعكس صراعاً داخل النخب الفرنسية بين تيارات متباينة في نظرتها إلى المغرب؟
انتقائية في المواضيع… وانحياز في المعالجة
من الناحية التحريرية، يعاني الوثائقي من انتقائية واضحة في اختيار المواضيع، حيث تم التركيز بشكل لافت على قضايا خلافية مثل مزاعم “بيغاسوس”، وبعض الملفات القضائية ذات الطابع الشخصي، مع تقديمها في قالب يوحي بوجود أنماط ممنهجة، دون تقديم الأدلة الحاسمة أو منح الكلمة الكافية للأطراف المعنية.
هذا النوع من المعالجة لا ينسجم مع قواعد العمل الصحفي الرصين، الذي يقتضي التوازن بين الروايات، والاعتماد على مصادر متعددة، وتقديم سياق شامل يسمح للمشاهد بتكوين رأي مبني على معطيات دقيقة. لكن ما حدث هو العكس، حيث تم توجيه السرد نحو زاوية واحدة، تبرز السلبيات وتغفل عمدا عناصر أخرى أساسية.
خلفيات شخصية تثير الجدل
لا يمكن قراءة هذا الوثائقي بمعزل عن المسار المهني لبعض القائمين عليه، وعلى رأسهم المخرج جون لويس بيريز، الذي سبق أن أخرج أعمالاً مثيرة للجدل حول المغرب، وارتبط اسمه بمحطات توتر إعلامي مع السلطات المغربية. هذه الخلفية تجعل من الصعب فصل العمل الحالي عن سياق أوسع من التراكمات الشخصية والمهنية.
كما أن أسلوب الطرح يوحي أحياناً بنوع من “تصفية الحساب”، خاصة في طريقة تناول بعض القضايا، التي تم إخراجها من سياقها القانوني أو الاجتماعي، وإعادة توظيفها سياسيا، بما يخدم سردية معينة.
تجاهل التحولات العميقة
الأكثر إثارة للاستغراب هو أن الوثائقي تجاهل بشكل شبه كامل التحولات العميقة التي يعرفها المغرب في السنوات الأخيرة، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الدبلوماسي. فالمملكة أصبحت فاعلا إقليميا وازنا، ونجحت في تنويع شراكاتها الدولية، وتعزيز حضورها في إفريقيا، وتطوير نموذجها التنموي.
كما أن التعاون المغربي الفرنسي، خاصة في المجال الأمني، يُعد من بين الأكثر فعالية في المنطقة، وقد ساهم في مواجهة تحديات مشتركة، من بينها الإرهاب والجريمة المنظمة. غير أن هذه الجوانب الإيجابية لم تحظَ بالاهتمام الكافي في الوثائقي، الذي فضل التركيز على نقاط التوتر.
خطاب إعلامي يعاكس منطق الشراكة
في الوقت الذي تسعى فيه المؤسسات الرسمية في البلدين إلى ترسيخ شراكة استراتيجية جديدة، قائمة على الثقة والتكامل، يأتي هذا النوع من الأعمال الإعلامية ليغذي خطابا مغايرا، يقوم على الشك والتشكيك، ويعيد إنتاج صور نمطية لا تعكس الواقع الحالي.
ولا يمكن استبعاد فرضية أن بعض الدوائر الإعلامية أو الفكرية في فرنسا ما تزال تنظر إلى المغرب من زاوية تقليدية، متأثرة بإرث تاريخي لم يتم تجاوزه بالكامل، وهو ما ينعكس في طريقة تناولها للقضايا المرتبطة به.
بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية
لا شك أن حرية التعبير تظل من الركائز الأساسية في أي مجتمع ديمقراطي، ومن حق وسائل الإعلام تناول مختلف القضايا، بما فيها تلك التي تثير الجدل. غير أن هذه الحرية تقترن دائماً بالمسؤولية، التي تفرض احترام قواعد المهنية، وتجنب التعميم، والابتعاد عن الانتقائية.
وفي حالة هذا الوثائقي، يبدو أن كفة الإثارة غلبت على كفة التحليل، وأن الرغبة في شد انتباه المشاهد طغت على ضرورة تقديم محتوى متوازن وموثوق.
في المحصلة، لا يمكن اعتبار وثائقي “فرانس 5” حول المغرب عملا إعلاميا بريئا أو محايدا، بل هو إنتاج يعكس توجهاً نقدياً حاداً، يفتقر في جوانب عدة إلى التوازن والعمق، ويطرح تساؤلات مشروعة حول خلفياته وتوقيته.
وبينما يمضي المغرب وفرنسا نحو إعادة بناء علاقتهما على أسس جديدة، يبقى الرهان الحقيقي هو في تجاوز مثل هذه الخطابات، والتركيز على ما يجمع البلدين من مصالح وتحديات مشتركة، بعيداً عن منطق التشويش أو تصفية الحسابات الإعلامية.
06 avril 2026 - 17:29
06 avril 2026 - 11:00
05 avril 2026 - 12:00
05 avril 2026 - 10:00
05 avril 2026 - 09:00
ضيوف المواطن05 avril 2026 - 10:00