وكالات
تشكل عربة الفول إحدى العلامات المميزة لتوقيت السحور خلال شهر رمضان كما لصباحات القاهرة في باقي الشهور الأخرى، تنتشر على تقاطعات شوارعها، وفي زاويا ميادينها العامة وتحت البنايات، لتقدم وجبة سحور سريعة من طبق فول على قارعة الطريق للمصريين من مختلف الشرائح الاجتماعية .
" شوية حار لو سمحت " أو " بلاش حار من فضلك "، عبارتان يوجههما الزبناء لصاحب عربية الفول عندما يغرف من قدرته المعدنية المثبتة فوق شعلة نار هادئة منبعثة من قنينة غاز في أسفل العربة، كمية من الفول ليضعها في طبق معدني ويصب عليه شيئا من "الزيت البلدي" ، ثم ينثر عليه بعض بهارات ليقدمه إلى الزبون مع طبق " سلطة خضراء " وحبة فلفل أخضر، و" شوية مخلل" مشكل من من حبات زيتون، وقطع جزر وبصل وبطاطس وخضر أخرى مسلوقة ومغموسة في عصير الليمون (الحامض) ، ورغيفين من الخبر البلدي " العيش ."
عربية الفول هي "اختراع مصري عبقري"، يقول عمو فتحي، صاحب عربية أطلق عليها اسم " عروسة بولاق الدكرور" نسبة إلى حي بولاق الشعبي الذي يقطنه أكثر من مليون شخص .
لقد قضى عمو فتحي أكثر من عشرين سنة منزويا بعربته في ركن عند ملتقى (شارع جامعة الدول العربية ) و (شارع السودان ) الذي يعتبر خط التماس بين منطقة (المهندسين ) الراقية وحي (بولاق ) و (حي أرض اللواء) الشعبيين، يقدم وجبات السحور في رمضان لزبناء يسهرون في مقاهي راقية سياحية وأخرى شعبية حتى وقت السحور، أو للمارة الذي لا يلحقون وقت السحور في بيوتهم، كما يهيئ وجبات ويبعثها لبعض سكان العمارات المجاورة الذين يفضلون وجبة طبق الفول ومرفقاته في سحورهم الذي يختمونه بشئ من " الجبنة " أو كأس من "الزبادي " أي الياغورت .
أما في باقي الشهور، فينتقل عمو فتحي إلى "شارع الحجاز" حيث يقدم وجبات فطور كل صباح لعشرات الطلبة والموظفين والمهنيين والتجار الذين يغادرون بيوتهم مع بزوغ أشعة الشمس ليلحقوا بالمترو الذي يأخذهم إلى جامعاتهم أو إلى أماكن عملهم في مناطق بعيدة في القاهرة المترامية الأطراف . ومن الزبناء من يركنون سياراتهم بجوار عربة الفول لتناول فطورهم قبل مواصلة طريقهم إلى وجهاتهم.
وقال عمو فتحي في رده عن سؤال حول المدة التي يستغرقها كل يوم في تقديم وجبات السحور في رمضان أو وجبات الفطور في باقي الشهور: " طول السنة أبدأ العمل بعد صلاة الفجر كل يوم وما أن تاتي الساعة الحادية عشرة حتى يكون الفول قد نفذ، فأقفل عائدا إلى البيت، لأبدأ شغلتي الثانية كسائق تاكسي إلى حدود الساعة السادسة مساء. أما في شهر رمضان فأشتغل على التاكسي من الظهر إلى الساعة السادسة وبعد صلاة العشاء والتراويح أعود للعمل على عربة الفول ".
أما عن زبنائه، فيقول إنهم تلاميذ وطلبة وموظفون ورجال شرطة وعمال نظافة وحرفيون وتجار وأصحاب مهن حرة .
محمود عبد الستار، موظف مسؤول في مكتب للدعاية والإعلان، قال وهو يتناول طبق فول السحور بنهم ينم عن شهية متفتحة بعد طول سهر، إن الفول هو " مسمار البطن "بالنسبة للمصريين و" بيشد الجوع أوي " طيلة اليوم في رمضان .
وواصل عبد الستار حديثه قائلا إنه " ثبت علميا أن الفول لاتبدأ عملية هضمه في البطن إلا بعد مرور سبع ساعات على أكله " ولذلك يسمى ب" مسمار البطن " .
ومن جهته، دأب أحمد بهجت، موظف في وزارة الصحة، على تناول وجبة السحور مرة واحدة كل أسبوع خارج البيت عندما يسهر مع أصدقائه ، قبل أدائه صلاة الفجر في مسجد مصطفى محمود بشارع جامعة الدول العربية، حيث يتوجه قبل دخوله المسجد إلى عربة سيد رمضان الرابضة عند تقاطع "شارع دجلة" و"شارع لبنان " الراقيين في حي المهندسين وقد نصبت عليها لوحة كتب عليها " "وكلوا من طيبات ما رزقناكم ".
وقال بهجت الذي من عادته كذلك تناول وجبة الفول الصباحية في فطوره قبل ذهابه للعمل طيلة أيام الشهور الأخرى في تعليق طريف على حبه ل"طبق الفول" إنه يشعر بنوع من "الانجداب لعربة الفول كل صباح أشبه بانجداب الدرويش في رقصة التنورة الشهيرة ".
ابتسم سيد رمضان، صاحب العربة، وهو يغرف كمية من قدرة الفول ليضعها في طبق معدني ويناولني إياه، مؤكدا أن "أستاذ أحمد" من زبنائه القدامى .
فتحي حسين رجل أمن، لايستطيع تناول أي طعام آخر في وقت السحور، إذ يمر كل يوم وهو في طريقه إلى الشغل على عربة رمضان التي تستوقفه برائحة الفول المنبعثة منها .
وقال فتحي الذي كان قد انتهى للتو من أكل طبق فول مرفوق بالبيض، وطلب " كباية شاي " ليشربها مع سيجارته الثانية بعد الأكل، " أجد صعوبة في تناول أي طعام عند الاستيقاظ في الصباح أو في وقت السحور، ويظل الإفطار أو السحور بالنسبة لي أزمة يومية ومسألة معقدة ،ماذا يجب أن آكل قبل الذهاب إلى العمل ؟ لكن بعد خروجي للشارع ، وبمجرد اقترابي من عربة الفول ومشاهدة زبنائها منهمكين في تناول الطعام، تنفتح شهيتي على الفور، وأبدأ في اختيار أرغفة الخبز أثناء قيام "عمو رمضان بتحضير طبق الفول بالبيض المميز ".
ومثل كل الفضاءات الشعبية في مصر، فإن لعربة الفول مصطلحاتها وثقافتها الخاصة المرتبطة بطبق الفول نفسه، أو بالمرفقات التي يتناولها الزبون معه . فطبق الفول في لغة العربة هو "طبق اللوز" ، وحبة الفلفل الخضراء الحذقة (الحارة) التي يطلبها الزبون مع الطبق هي قرن "قرن غزال"، وحبات البصل هي "قنابل مسيلة للدموع" أو "فاتحة شهية "، ونبتة "الجرجير" الشبيهة بالبقدونس هي "فياغرا الغلابة "، أي الفقراء .
بالنسبة لباسم كمال، الموظف بمصلحة الضرائب، فإن عربة الفول هي" هبة القاهرة " لمواطنيها، ويقول إنه "على الرغم من ارتفاع الأسعار مؤخرا، فإن وجبة الفول الشهيرة ما زالت في متناول كثير من الناس ، مشيرا إلى أنه في مقابل عشرة جنيهات (حوالي خمسة دراهم ) يمكن أن يتناول المرء "طبق فول، وسلطة، وفلفلا وخبزا ساخنا ".
أما هيثم صالح (صحفي)، فيرى أن عربة الفول هي "ملاذ الشرائح الفقيرة والوسطى" على السواء ويؤكد أنه طيلة باقي شهور السنة يقصد في كل صباح عربة فول في قلب مدينة القاهرة، وينعم ب " صحبة صحفيين ومحامين وموظفين محترمين للغاية ، يأكلون هناك ".
قال هيثم وقد ارتسمت ابتسامة على شفتيه " على عربة الفول يصير الجميع أصدقاءك، من عساكر المرور وموظفي البلدية، وأصحاب المحلات القريبة، وحتى البهوات ".
في ليالي وصباحات القاهرة التي لا تنام، لا مكان للخجل من تناول الطعام وطبق الفول على الخصوص في الشارع ، فهناك من الناس من يركن سيارته الفارهة، ويقبل على عربة الفول ل "يفول" خزان جسده في السحور خلال رمضان أو في الصباح في باقي الشهور الأخرى وسط قهقهات المعارف الذين نشأت معهم صداقات بحكم المصاحبة اليومية على العربة .
لم يغب مشهد عربة الفول عن الكاتب المصري الشهير الراحل إحسان عبد القدوس (1919- 1990) الذي يحكي في إحدى قصصه عن رجل عاش متعبا وفقيرا وشريدا، وكان يتعامل معه الناس بكل قسوة وإهمال، ثم يموت وتأتي إليه الملائكة لتبشره بالنعيم بعد طول صبر ومشقة، وتسأله عما ترغب فيه نفسه، فيجيب بلا تردد: " طبق فول بالزيت الحار من عربة فول".
09 février 2026 - 18:00
09 février 2026 - 12:00
03 février 2026 - 11:00
02 février 2026 - 13:00
01 février 2026 - 09:00