عمر لمغيبشي
في غمرة البحث في أرشيفات يهود تطوان عام 2006، استوقفني ظهور أسماء عائلية تطوانية يهودية (مثل بن زكري وبن دنان وليفي) ضمن وثائق تجارية وسجلات مينائية تعود لأرخبيل الرأس الأخضر (كابو فيردي). أثار هذا اللقاء الأرشيفي غير المتوقع سؤالا بحثيا ملحا: كيف انتهى تطوانيون يهود إلى قلب المحيط الأطلسي، وكيف كشف هذا المسار عن حقائق أوسع حول حركة الأفراد والأسر في عالم مترابط قبل العولمة الحديثة؟
إن هذا الموضوع يشكل مدخلا مهما لفهم عدة مواضيع تاريخية متقاطعة، حيث يمكن أن يناقش ضمن إطارات متعددة مثل: تاريخ الهجرات في الفضاء الأطلسي، وتاريخ الأقليات في المجتمعات المختلطة (Créole)، وتاريخ الشبكات التجارية السفاردية، والتاريخ الاجتماعي للمجتمعات المينائية. يقدم هذا المقال تحليلا لتجربة اليهود المغاربة السفارديم في الرأس الأخضر، بوصفها نموذجا معبرا عن تداخل العوامل الاقتصادية والقانونية والاجتماعية في تشكيل المجتمعات المختلطة الأطلسية. على نحو ما يشير المؤرخ جوليو كارو باروخا، فإن تاريخ اليهود السفارديم في الشتات غالباً ما يكون تاريخاً للشبكات والوساطة والحركة، وهو ما تؤكده هذه الحالة بشكل جلي.
1. سياقات الاستقرار وأشكال الفاعلية: من النقاش القانوني إلى الميدان الاقتصادي
تتطلب قراءة الوجود اليهودي المغربي في الرأس الأخضر فهماً للإطار التاريخي المركب الذي تشكل فيه مجتمع الجبل الاخضر. فالأرخبيل، الذي كان محطة مركزية في الإمبراطورية البرتغالية واقتصادها المبني على العبودية والتجارة البحرية، شهد تشكل بنية اجتماعية هرمية ومعقدة نتجت عن تفاعل الهجرات الطوعية والقسرية. يصف المؤرخ توبياس جرين هذه العملية بأنها أنتجت "مجتمعاً مختلطا" تجاوزت الاختلاط العرقي لتصير عملية تاريخية مولدة لهويات هجينة جديدة.
ومع بداية القرن التاسع عشر، مهد تحوّلان رئيسان لموجة هجرة يهودية سفاردية أكثر وضوحاً. تمثل الأول في إلغاء محاكم التفتيش في البرتغال سنة 1821، وهو حدث قانوني وسياسي بالغ الأهمية، حيث يرى المؤرخ إدواردو ميديروس أنه فتح المجال، ولو بشكل محدود، لحركة أوسع للأقليات الدينية داخل الفضاء البرتغالي. وتمثل الثاني في معاهدة التجارة والملاحة البرتغالية-البريطانية سنة 1842، التي أدت، كما يوضح الباحث جوي فريتاس، إلى اندماج أعمق للموانئ البرتغالية في الدوائر الرأسمالية العالمية، مما أنعش حركة السفن واستدعى فاعلين اقتصاديين جدد. وفي هذا المناخ المتغير، وجد يهود مدن شمال المغرب (تطوان، وطنجة، وموغادور) الذين عانوا من تقلبات اقتصادية محلية، في الرأس الأخضر فضاء واعدا للهجرة، حيث لم تكن هجرتهم انقطاعا بل استمرارية لدورهم التاريخي كوسطاء في شبكات التجارة العابرة للحدود.
2. التراث المشترك وجهود الحفظ: مساهمة كارول كارسييل ودعم المغرب
برزت في السنوات الأخيرة مبادرات مهمة للحفاظ على التراث التاريخي المشترك للرأس الأخضر. ومن أبرز هذه المبادرات عمل كارول كارسييل، المهتمة بالتراث اليهودي التي استفادت من معرفتها باللغة البرتغالية لتوثيق وإحياء الإرث اليهودي في الأرخبيل. فقد قامت كارسييل في المساهمة بتوثيق المقابر اليهودية وتدوين النقوش العبرية والبرتغالية على شواهد القبور، مما ساهم في حفظ سجل مهم عن الوجود اليهودي المغربي في المنطقة. كما عملت على ربط هذا الإرث بالذاكرة المحلية من خلال التعريف بهذا التراث وبالمكون العبري للمنطقة وعلاقاته وأصوله التاريخية.
وتدعم المملكة المغربية هذه الجهود في إطار تعزيز الروابط التاريخية والثقافية مع دول غرب أفريقيا. فمن خلال مؤسسات مثل الأرشيف الوطني للمملكة المغربية، يوفر المغرب إمكانية الوصول إلى وثائق أرشيفية تتعلق بالجالية اليهودية المغربية وتجارتها الأطلسية. كما يشارك المغرب في ترميم وصيانة المواقع التراثية المشتركة، ويدعم برامج التبادل الثقافي بين الباحثين والمهتمين من الجانبين. هذا التعاون يعكس إدراكا عميقا للروابط التاريخية المتشابكة التي شكلت هوية مجتمع الرأس الأخضر عبر القرون، ويؤكد على أهمية الحفاظ على هذا الإرث المشترك كجسر للتواصل الثقافي المعاصر.
3. التفاعل الاجتماعي والتحول الديموغرافي: بين الاندماج والتلاشي الجماعي
شكلت المقابر اليهودية الصغيرة المنتشرة في جزر مثل سانتياغو وساو فيسنتي الشاهد المادي الأبرز على هذا الحضور. تحمل شواهد قبورها نقوشا ثنائية اللغة (العبرية والبرتغالية)، تتحول بها من مجرد أماكن دفن إلى وثائق حجرية تسجل عملية بناء الهوية في سياق هيمنة ثقافية كاثوليكية. فالنقوش، كما يلاحظ المؤرخ مانويل باز سانشيز، لا تسجل الوفاة فحسب، بل تعبر عن "هوية مركبة" تتشبث بأصولها السفاردية المغربية من جهة، وتتكيف مع واقعها الجديد البرتغالي-المختلط من جهة أخرى.
لكن التركيبة الديموغرافية لهؤلاء المهاجرين، التي تشير المصادر إلى أنها كانت ذكورية في غالبيتها، رسمت مسار اندماج مميز. أدى الزواج المختلط مع نساء محليات كاثوليكيات إلى دمج سريع للأسر الناتجة في النسيج الاجتماعي المختلط، كما سمح لبعض هؤلاء اليهود المغاربة بالارتقاء ليصبحوا جزءا من النخبة التجارية المحلية. إلا أن هذا النجاح في الاندماج الاجتماعي والاقتصادي حمل في طياته بذور تلاشي الهوية الجماعية المتميزة. فعلى امتداد القرن العشرين، أدت عوامل مترابطة مثل تحولات التجارة العالمية والهجرة الثانوية لأوروبا والأمريكتين وصغر حجم الجماعة إلى استحالة الحفاظ على مؤسسات دينية مستقرة. وفي هذا السياق، يخلص الباحث كارلوس ألمادا إلى أن "الاندماج عبر المصاهرة والتحول الديني الطوعي أو الضمني، داخل البوتقة المختلطة الجامعة، كان العامل الحاسم في إذابة الحدود الجماعية لهذه الجماعة".
4. إرث الذاكرة: من الوجود التاريخي إلى الاستعادة المعاصرة
على الرغم من تلاشي الوجود المجتمعي المنظم لليهود المغاربة في الرأس الأخضر، إلا أن إرثهم لم ينمحي تماما. فقد بقيت المقابر ذات النقوش العبرية كشاهد أثري صامت، وحافظت بعض الأسماء العائلية على حضورها، وظلت روايات شفوية تحتفظ بطبقة من الذاكرة المطموسة داخل السرد العائلي والجماعي لمجتمع الرجاء الصالح. في العقود الأخيرة، شهدت الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية حول الأرخبيل، كما هو الحال في أعمال الباحثة إليزابيث بيريرا، تحولا ملحوظا نحو إعادة قراءة هذا الإرث المتعدد باعتباره جزءاً أساسياً من "ذاكرة أطلسية" معقدة ومتجاهلة. لقد أصبحت تلك الشواهد المادية نقاط ارتكاز في حراك بحثي وثقافي أوسع، يهدف إلى مراجعة السردية الوطنية الأحادية واستعادة تعددية التأسيس الاجتماعي للأرخبيل.
وهكذا، فإن قصة اليهود المغاربة في الرأس الأخضر، التي بدأت بملاحظة لأسماء تطوانية في الأرشيف، تتحول إلى نافذة على تاريخ أوسع. فهي لا تسرد هجرة جماعة دينية فحسب، بل تكشف عن تشابك القوى الاقتصادية العالمية (كالمعاهدات التجارية) مع الاستراتيجيات المحلية للأسر والأفراد، وعن الدينامية الاجتماعية التي تصنع هويات هجينة ثم تذيبها. إنها تذكير بأن مجتمع الرجاء الصالح، رغم تماسكه الظاهري، يحمل في أعماقه طبقات متعددة من التاريخ والذاكرة والانتماء، تنتظر من يقرأها ويعيد تأويلها في ضوء أسئلة الحاضر.
23 janvier 2026 - 19:00
11 janvier 2026 - 19:00
07 janvier 2026 - 20:00
31 décembre 2025 - 20:00
27 novembre 2025 - 10:00