بقلم : عمر لمغيبشي
مع إطلالة العام الجديد 2026, دخلت الولايات المتحدة في عملية عسكرية مباشرة وغير مسبوقة استهدفت رمز السلطة السياسية في فنزويلا عبر اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، في خطوة أثارت جدلا دوليا واسعا حول شرعية التدخل العسكري في دولة ذات سيادة. وتباينت الآراء وتعددت بين المحللين والدبلوماسيين والخبراء بخصوص هذا المستجد الاستراتيجي الذي من الممكن أن يغير من موازين القوى على مستوى تدبير الطاقة من جهة والتموقع الجيوسياسي والاستراتيجي من جهة أخرى.
بيد أن هذه العملية التي وصفت بالجريئة وغير المسبوقة مقارنة بسابقاتها (نقصد ما حدث مثلا في بناما وليبيا والعراق) تثير العديد من التساؤلات بخصوص فعاليتها المطلقة واستمرار الوضع المؤيد لترامب في ظل معارضة قوية من الداخل الفنزويلي ومن خارجه.
أكثر من ذلك، فإن المعارضة الشرسة لقرار ترامب يأتي أيضا من داخل الولايات المتحدة الأميركية. وفي هذا الصدد، يرى السفير الأمريكي السابق في الأمم المتحدة، سام دانيسون، أن العملية «تكشف حدود القوة العسكرية وحدها في فرض نظام سياسي جديد، وتعكس الحاجة إلى استراتيجيات سياسية ودبلوماسية دقيقة».
محلل السياسات الدولية، ديفيد باترسون، يضيف أن «المقاومة المحلية داخل فنزويلا، بما في ذلك جيوب الجيش وأجهزة الأمن ومجموعات مدنية مسلحة، تشكل حاجزا أمام أي خطة انتقالية سريعة، مؤكدة أن السيطرة العسكرية لا تعني السيطرة السياسية». كما يرى الدبلوماسي ماريو فيلاسكيز أن «اعتقال رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة خارج إطار قرار مجلس الأمن يمثل سابقة دولية خطيرة، يمكن أن تؤثر على مفهوم السيادة في العالم المعاصر».
من جهة أخرى، يشير خبراء السياسة الدولية إلى أن أي نجاح محدود على الأرض لن يكون ضمانا للاستقرار طويل الأمد، وأن الحلول المستدامة تتطلب توافقا داخليا ودعما شعبيا لبناء مؤسسات قادرة على إدارة الأزمة بفعالية.
وفي هذا السياق، يؤكد ألكسندر غرين، مستشار سابق في وزارة الخارجية الأمريكية، أن الولايات المتحدة وجدت نفسها بين خيارين صعبين: الاستمرار في التدخل العسكري الذي قد يطيل أمد الصراع، أو التفاوض مع الأطراف المحلية لإيجاد تسوية سياسية، وهو الخيار الأكثر استدامة لكنه يتطلب مهارات دبلوماسية دقيقة وإدارة متقنة للمجتمع المحلي.
النفط والأبعاد الاقتصادية والصراع الدولي
يعتبر النفط الفنزويلي محور الصراع الدولي في الأزمة الحالية. إذ تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مثبتة في العالم بنحو 303 مليار برميل، أي ما يعادل حوالي 17% من الاحتياطيات العالمية، أغلبها في حوض أورينوكو الذي يحتاج إلى تقنيات متقدمة للاستخراج والتكرير.
وللإشارة، فإن إنتاج النفط الحالي تراجع بشكل حاد، إذ لا يتجاوز نحو 1.1 مليون برميل يوميا، أي حوالي 1% من الإنتاج العالمي، مقارنة بما كانت تنتجه البلاد في الثمانينيات من نحو 3 ملايين برميل يوميا وذلك بسبب الضغوط والعقوبات التي فرضت على فنزويلا وغياب بنية تحتية موائمة. وفي هذا الصدد يشير الخبير الاقتصادي في الطاقة ليو شيلدون إلى أن «الاحتياطي الهائل لا يترجم بالضرورة تلقائيا إلى نفوذ اقتصادي مباشر ما لم تستعد البنية التحتية للقطاع النفطي، وهو أمر يحتاج إلى استثمارات تبلغ عشرات المليارات من الدولارات على مدى عقد أو أكثر».
وفي نفس الإطار، عبر الدبلوماسي الأوروبي ماركوس فالنتين بقوله إن الصراع على النفط يعكس المنافسة بين القوى الكبرى: روسيا تسعى لدعم مكونات النظام القديم، والصين تحمي عقود الطاقة وتحافظ على تدفق النفط، بينما الولايات المتحدة تسعى للسيطرة على الإنتاج لتعزيز مكانتها الاقتصادية والسياسية. وهو ما يفسر الحصار الذي ضربته الولايات المتحدة الأمريكية على السفن وناقلات النفط التي تغادر فنزويلا، لدرجة انها كادت أن تدخل في مواجهة عسكرية قاتلة مع روسيا عندما استولت على إحدى هذه الناقلات.
إن الإيرادات السنوية الفنزويلية من النفط التي بلغت قبل الأزمة الحالية نحو حوالي 20 مليار دولار قد انخفضت بشكل مهول خلال السنوات الأخيرة بسبب كما قلنا العقوبات الدولية وانخفاض الإنتاج، وهو ما يزيد من تعقيد أي خطة أمريكية لاستغلال الموارد بسرعة.
ومن بين القراءات الاستراتيجية لإقدام الولايات المتحدة الأمريكية على هذه الخطوة ما عبرت عنه جانيت لويس، أستاذة الاقتصاد في جامعة كولومبيا، بقولها بأن النفط هو أداة استراتيجية وليس مجرد سلعة، وأن الإدارة الأمريكية تسعى من خلال السيطرة عليه إلى تعزيز نفوذها الاقتصادي في مواجهة منافسة روسيا والصين على الساحة الدولية.
ولتعميق فهم الوضع الحالي، لا بد من الإشارة إلى أن الاستحواذ على مخزونات النفط الفنزويلي ليس بالأمر الهين، وهو أمر أكده محلل شؤون الطاقة، توماس ريد الذي اعتبر أن أي محاولة لإعادة تشغيل النفط ستحتاج إلى سنوات من الاستثمار في البنية التحتية والسياسات الاقتصادية، مشيرا إلى أن إخفاق الإدارة الأمريكية في هذا الصدد قد يؤدي إلى اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية وارتفاع الأسعار، بشكل سيؤثر على الاقتصاد الدولي ككل.
وعلى العموم، فإن دراسة الوضع الراهن تكشف بالملموس أن النفط ليس مجرد هدف اقتصادي، بل أداة استراتيجية يمكن أن تحول فنزويلا إلى مركز صراع دولي طويل الأمد إذا لم تُدر الأزمة بحكمة، مع مراعاة العوامل المحلية والدولية على حد سواء، ذلك أن قرار ترامب الأخير الذي تحدى فيه المجتمع الدولي والداخل الأمريكي ستكون له تداعيات سلبية سواء على علاقاتها بخلفائها بالغرب عموما أو بالشعب الأمريكي عموما الذي يرى أن الاستفراد بقرار عسكري سيادي دون المرور بمراكز القرار والتشريع الأمريكيين ستكون له تبعات سياسية عميقة بين حاكم الولايات المتحدة الأمريكية ومكونات الشعب الأمريكي.
07 janvier 2026 - 20:00
31 décembre 2025 - 20:00
27 novembre 2025 - 10:00
24 novembre 2025 - 11:00
11 août 2025 - 14:00
03 janvier 2026 - 16:20