عبد القادر الفطواكي
احتفاء بـاليوم العالمي للكتاب، احتضنت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك ندوة علمية وازنة تحت عنوان "الكتاب المغربي من المخطوط إلى الرقمي: الإشكالات والمقاربات، للدكتور أحمد الصديقي، منسق ماستر "المغرب والهجرة الدولية: تاريخ وتنمية"، وذلك بحضور أكاديمي وطلابي وازن، مهتم بقضايا الكتاب والتحولات الرقمية.
المحاضرة التي ترأسها الدكتور خالد أعسو، استهلت بمدخلة الدكتور الصديقي الذي شدد على أن الكتاب المغربي لم يكن يومًا مجرد وعاء معرفي، بل شكّل عبر تاريخه ركيزة أساسية في بناء الوعي الثقافي وصيانة الذاكرة الجماعية، موضحًا أن تتبع مسار هذا الكتاب يقتضي استحضار سياقاته التاريخية وتحولاته البنيوية التي واكبت تطور المجتمع المغربي. وأبرز أن الانتقال من المخطوط إلى المطبوع ثم إلى الرقمي لا يعكس فقط تطورًا تقنيا، بل يكشف عن تحولات عميقة في أنماط إنتاج المعرفة وتداولها.

وتوقف المتدخل مطولا عند مرحلة المخطوط، باعتبارها المرحلة المؤسسة التي ارتبطت بانتشار الزوايا والمدارس العتيقة، حيث كان النسخ اليدوي آلية مركزية في نقل العلوم والمعارف. وأشار إلى أن هذه المرحلة لم تكن خالية من الضوابط العلمية، إذ خضعت لقواعد دقيقة في الكتابة والتوثيق، مما يجعل دراسة المخطوطات اليوم مدخلًا لفهم البنيات الثقافية والفكرية للمجتمع المغربي في فترات تاريخية مختلفة. وفي هذا السياق، تمت الإشارة إلى ازدهار مراكز علمية كبرى مثل فاس ومراكش، التي شكلت حواضن لإنتاج المخطوطات وتداولها، خاصة في مجالات الفقه واللغة والعلوم، حيث لم تكن عملية النسخ مجرد عمل تقني، بل ممارسة علمية قائمة على الدقة والأمانة.
وفي سياق متصل، أبرز الدكتور الصديقي أهمية الحقول المعرفية المرتبطة بدراسة الكتاب، وعلى رأسها علم المخطوطات (الكوديكولوجيا) وعلم الفهرسة (الببليوغرافيا)، باعتبارهما أداتين أساسيتين لفهم تاريخ الكتاب من حيث مادته وبنيته ومسارات تداوله. وأوضح أن هذه العلوم تتيح الوقوف على تفاصيل دقيقة، مثل أنواع الورق والأحبار، وأساليب التجليد، وكذا طرق انتقال النصوص بين العلماء والحواضر العلمية.
أما بخصوص مرحلة الطباعة، فقد اعتبرها الأستاذ المحاضر، نقطة تحول مفصلية في تاريخ الكتاب المغربي، حيث ساهمت في توسيع دائرة القراءة ونشر المعرفة بشكل أوسع، رغم ما رافقها في بداياتها من تحديات تقنية وثقافية. وتم التأكيد في هذا الصدد على أن دخول الطباعة إلى المغرب خلال أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لم يكن انتقالًا سلسًا، بل واجه في مراحله الأولى نوعًا من التحفظ الثقافي، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى رافعة أساسية لنشر المعرفة، خاصة مع بروز الصحافة الوطنية ودور النشر الحديثة.
وفي انتقاله إلى المرحلة الرقمية، أكد الدكتور الصديقي أن الكتاب المغربي يعيش اليوم تحولات غير مسبوقة بفعل الثورة التكنولوجية، حيث أضحى النشر الرقمي يفرض نفسه كخيار استراتيجي، لما يوفره من سرعة في التداول وسهولة في الوصول إلى المحتوى. غير أن هذا التحول، يضيف المتدخل، يطرح في المقابل إشكالات متعددة، من قبيل حماية الملكية الفكرية، وضمان مصداقية النصوص الرقمية، والحفاظ على التراث المخطوط من الاندثار أو التشويه.
ويقول الدكتور أحمد الصديقي، الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك بالدار البيضاء، إن تاريخ الكتاب بالمغرب مرّ بمراحل متداخلة ومتشابكة، يصعب الفصل بينها بشكل حاد، حيث انتقل من الاعتماد على المخطوط إلى تبني الطباعة في سياق تدريجي. ويؤكد أن دخول الطباعة إلى المغرب لم يكن مفاجئًا، بل جاء في إطار تفاعل مع تحولات أوسع عرفها العالم، خاصة خلال القرن التاسع عشر، رغم أن المخطوط ظل حاضرًا بقوة لاعتبارات ثقافية وعلمية، وظل يؤدي وظائفه داخل المجتمع إلى جانب المطبوع، مما جعل هذا التحول يتم بكلفة مادية ورمزية مهمة.
ويضيف الصديقي أن القرن العشرين شكّل منعطفًا حاسمًا مع بروز المكننة وتطور وسائل النشر، حيث أصبح الكتاب أكثر انتشارًا ووصولًا إلى فئات أوسع من القراء، خصوصًا الطلبة. كما أبرز أن تطور تقنيات إنتاج الورق واعتماد موارد محلية أسهما في ترسيخ صناعة الكتاب بالمغرب، مما مهد الطريق لانتقاله لاحقًا إلى الصيغ الرقمية، في سياق تتسارع فيه تحولات المعرفة ووسائط تداولها.
كما شدد النقاش على أن الرقمنة لا ينبغي اختزالها في بعدها التقني، بل يتعين النظر إليها كمشروع ثقافي متكامل، يقتضي تضافر جهود المؤسسات الأكاديمية والمكتبات الوطنية ومراكز البحث. وفي هذا الإطار، أثيرت إشكالات مرتبطة بالأرشفة الرقمية المستدامة، وضعف البنيات التحتية في بعض المؤسسات، فضلاً عن محدودية الولوج المفتوح إلى المحتوى الأكاديمي، ما يستدعي، بحسب المتدخلين، الاستثمار في التكوين المتخصص في مجالات الرقمنة وحفظ التراث الوثائقي.
وتوقف المشاركون أيضًا عند أهمية المبادرات الوطنية الرامية إلى رقمنة المخطوطات، معتبرين أنها، رغم أهميتها، تظل دون مستوى الرصيد الوثائقي الغني الذي يزخر به المغرب، وهو ما يفرض وضع استراتيجية وطنية شمولية تقوم على الجرد والتوثيق والرقمنة، ثم الإتاحة الواسعة للباحثين والمهتمين.
كما أثار الحضور مسألة تحوّل العلاقة بين القارئ والكتاب في العصر الرقمي، حيث لوحظ تراجع نسبي في الإقبال على الكتاب الورقي مقابل تنامي استهلاك المحتوى الرقمي، وهو ما يفرض إعادة النظر في سياسات القراءة العمومية، وتشجيع ثقافة القراءة لدى الأجيال الصاعدة عبر وسائط جديدة تواكب تحولات العصر.
ولم يفت المتدخلين التأكيد على أن الكتاب المغربي، في مختلف مراحله، ظل مرآة تعكس التحولات الاجتماعية والسياسية والفكرية التي عرفها المغرب، داعين إلى ضرورة إعادة الاعتبار للبحث في تاريخ الكتاب، وتشجيع المبادرات الرامية إلى تثمينه وإدماجه ضمن المشاريع التنموية والثقافية.
واختُتمت أشغال هذه الندوة بالتأكيد على أن مستقبل الكتاب المغربي يظل رهينا بقدرته على التكيف مع التحولات الرقمية، دون التفريط في جذوره التراثية، في أفق بناء نموذج ثقافي متوازن يجمع بين الأصالة والحداثة، ويجعل من الكتاب رافعة أساسية للتنمية والمعرفة.