عبد القادر الفطواكي
مع كل موسم امتحانات، يعود الحديث عن أجهزة كشف الغش، وعن التكنولوجيا التي تطارد السماعات الدقيقة والكاميرات الخفية والوسائل المبتكرة التي يحاول بعض التلاميذ النفاذ منها إلى نقطة لا يستحقونها. وتُصرف الأموال والجهود من أجل حماية مصداقية الامتحان، وهو أمر مشروع وضروري، لأن الغش في المدرسة اعتداء على مبدأ الاستحقاق قبل أن يكون مجرد مخالفة للنظام.
لكن المواطن، وهو يتابع أخبار هذه الأجهزة المتطورة، لا يملك إلا أن يتساءل بنبرة ساخرة ماذا لو امتلكنا أجهزة أخرى لكشف أنواع مختلفة من الغش؟ أجهزة لا توضع عند أبواب مراكز الامتحان، بل عند أبواب المؤسسات العمومية، وفي مداخل الإدارات، وعلى عتبات المجالس المنتخبة.
نحتاج، على سبيل المثال، إلى جهاز يكشف الفرق بين الوعود الانتخابية قبل الاقتراع وواقع الإنجاز بعده. جهاز يطلق جرس إندار قوي كلما ارتفع منسوب الشعارات وانخفض منسوب الأفعال. كما نحتاج إلى جهاز آخر قادر على رصد الغش في لغة الأرقام، حين تتحول الإحصائيات أحيانا إلى مستحضرات تجميل سياسية تخفي التجاعيد العميقة للمشكلات الحقيقية.
وربما نحتاج أكثر إلى أجهزة تكشف المضاربين و"الشناقة" و"الفراقشية" الذين ينجحون، موسما بعد آخر، في اجتياز كل حواجز المراقبة ليجلسوا فوق موائد القدرة الشرائية للمواطنين. هؤلاء لا يستعملون سماعات صغيرة داخل الأذن، بل يستعملون شبكات معقدة من الاحتكار والمضاربة والتلاعب بالأسعار، فتكون النتيجة امتحانا يوميا عسيرا تخوضه الأسر المغربية في الأسواق.
غير أن الحقيقة التي ينبغي ألا تضيع وسط السخرية هي أن معركة الغش لا تبدأ من أجهزة الكشف. فالأجهزة تعالج الأعراض، أما المرض الحقيقي فيكمن في مكان آخر.
البداية الحقيقية تكون من المدرسة نفسها؛ من تحسين المناهج الدراسية حتى تصبح أكثر قدرة على بناء العقل النقدي لا مجرد تخزين المعلومات. وتكون من تحسين أوضاع الأسرة التعليمية التي تحمل عبء الإصلاح منذ عقود دون أن تحظى دائما بما تستحقه من تقدير ودعم. وتكون أيضا من تأهيل المؤسسات التعليمية في المدن والقرى على حد سواء، لأن مدرسة في قرية نائية لا ينبغي أن تكون أقل حظا من مدرسة في قلب مدينة كبرى.
كما أن تقليص الفجوة المتسعة بين التعليم العمومي والخصوصي لم يعد ترفا فكريا، بل أصبح ضرورة وطنية. فحين يشعر المواطن بأن جودة التعليم مرتبطة بحجم الدخل، تتعرض فكرة تكافؤ الفرص نفسها للاهتزاز.
إن استعادة هيبة المدرسة العمومية لا تحتاج فقط إلى قرارات موسمية أو خطابات ظرفية، بل إلى خارطة طريق واضحة المعالم، تستند إلى إرادة سياسية جادة ومستدامة، تجعل التعليم أولوية فعلية لا مجرد عنوان متكرر في البرامج والتصريحات.
عندها فقط ستصبح أجهزة كشف الغش أدوات مساعدة لا حلولا بديلة. وعندها أيضا قد نكتشف أن أفضل وسيلة لمحاربة الغش ليست التكنولوجيا، بل بناء منظومة تجعل الصدق أكثر جدوى من التحايل، والاستحقاق أكثر ربحا من الالتفاف على القواعد.
أما إلى أن يتحقق ذلك، فسيبقى المواطن يحلم، ولو على سبيل الدعابة، بجهاز وطني متعدد الوظائف: يكشف سماعة الغش في قاعة الامتحان، ويكشف معها الوعود الفارغة، والمضاربات المشبوهة، وكل أشكال الالتفاف على مبدأ الاستحقاق الذي لا تقوم الأمم إلا به.
01 juin 2026 - 10:00
23 mai 2026 - 13:00
07 mai 2026 - 10:00
27 avril 2026 - 10:00
20 avril 2026 - 10:00
عندكم 2 دقايق03 juin 2026 - 20:00