عبد القادر الفطواكي
أعاد اعتذار عبد الإله بنكيران عن استعماله عبارة "شي قندوح" فتح نقاش سياسي تجاوز حدود العبارة نفسها، ليتحول إلى مناسبة لاستحضار طبيعة الصراع الدائر حول موقع الفاعل الحزبي، وحدود الخطاب السياسي، والعلاقة بين المؤسسات الرسمية والأحزاب في المغرب.
ففي الوقت الذي اعتبر فيه بعض المتابعين أن الاعتذار يمثل تراجعا سياسيا أو أخلاقيا، رأى آخرون أنه يعكس أسلوباً دأب عليه الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، يقوم على الفصل بين الاعتذار عن الصياغة وعدم التراجع عن الفكرة التي أراد إيصالها.
هذا الجدل لا يمكن فهمه بمعزل عن تاريخ طويل من العلاقة المعقدة بين الدولة والأحزاب السياسية. فمنذ عقود، عرف المغرب شخصيات حزبية لعبت أدوارا مؤثرة في الحياة العامة، واستطاعت أن تجمع بين القرب من مؤسسات الدولة والقدرة على التعبير عن مواقف مستقلة، وهو ما منحها مكانة خاصة داخل المشهد السياسي.
في المقابل، برز خلال السنوات الأخيرة نقاش متكرر حول تنامي نفوذ شخصيات غير منتخبة أو غير خاضعة للمساءلة السياسية، يصفها بعض الفاعلين بـ"شبكات النفوذ" أو "دوائر التأثير"، ويرون أنها أصبحت تؤثر في تدبير بعض الملفات العمومية خارج القنوات المؤسساتية التقليدية. ويظل هذا التقييم محل اختلاف بين المتابعين، إذ يعتبره آخرون قراءة سياسية أكثر منه توصيفاً لواقع مؤكد.
ضمن هذا السياق، يقدم أنصار بنكيران خطابه باعتباره امتدادا لفكرة تقوم على الدفاع عن دور المؤسسات المنتخبة، وتعزيز العلاقة المباشرة بين الدولة والمواطنين عبر الآليات الدستورية، مع رفض أي وساطات أو مراكز نفوذ موازية. ويرون أن الرجل ظل وفياً لهذا التصور منذ خروجه من رئاسة الحكومة، حتى وإن تغيّرت أدوات التعبير أو لغة الخطاب.
وتبرز هنا خصوصية أسلوب بنكيران، الذي يعتمد لغة شعبية قريبة من المتلقي، تمزج بين البساطة والرسائل السياسية المركبة. فبالنسبة لمؤيديه، لا تُقاس عباراته بمعناها الحرفي فقط، وإنما بالسياق السياسي الذي ترد فيه، بينما يعتبر منتقدوه أن هذا الأسلوب يفتح الباب أمام سوء الفهم ويزيد من حدة الاستقطاب.
ولعل ما يعزز هذا الطرح أن بنكيران لم يتردد في الاعتذار عن العبارة المثيرة للجدل، لكنه في الوقت نفسه لم يعلن تراجعه عن القراءة السياسية التي استند إليها. وهو ما جعل الاعتذار يُفهم لدى مؤيديه باعتباره تصحيحا لأسلوب التعبير لا مراجعة للموقف السياسي.
كما أن مسار الرجل السياسي يكشف عن محطات سعى خلالها، وفق أنصاره، إلى الحفاظ على توازن العلاقة بين حزبه والدولة، حتى في أكثر اللحظات حساسية، ومن بينها تداعيات توقيع اتفاق استئناف العلاقات مع إسرائيل، وهي محطة ما تزال تثير نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والحزبية.
في المحصلة، يبدو أن قضية "شي قندوح" ليست مجرد خلاف حول تعبير عابر، بل تعكس اختلافاً أعمق في قراءة طبيعة السلطة، ودور الأحزاب، وحدود النقد السياسي في المغرب. فبين من يرى أن قوة الدولة تكمن في ترسيخ المؤسسات الدستورية وإعطاء الأحزاب فضاءً حقيقياً للتعبير والمشاركة، ومن يعتبر أن فعالية الدولة تقتضي مركزية أكبر في القرار، يستمر الجدل حول النموذج الأنسب لتدبير الشأن العام.
ومن هذا المنظور، قد يكون الاعتذار قد أنهى الجدل حول العبارة، لكنه لم ينه النقاش حول الأفكار التي أفرزتها، ولا حول الأسئلة التي أعادت طرحها بشأن توازنات الحياة السياسية المغربية ومستقبل العلاقة بين الدولة والأحزاب.
30 juillet 2026 - 22:00
27 juillet 2026 - 09:00
21 juillet 2026 - 12:30
13 juillet 2026 - 10:00
29 juin 2026 - 10:00
مواطن حمدي