عبد القادر الفطواكي
ليست شيخوخة النخب السياسية مسألة مرتبطة بعدد السنوات التي عاشها السياسي، ولا يجوز اختزالها في أعمار الأشخاص. فالمشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول القيادة إلى موقع دائم، وتصبح الوجوه نفسها جزءا من بنية مغلقة تعيد إنتاج ذاتها، وتضعف معها فرص تداول المسؤوليات والأفكار والأجيال. عندها لا تعود الشيخوخة مجرد ظاهرة عمرية، بل تتحول إلى حالة سوسيولوجية وسياسية تعكس جمودا في النخب وفي آليات صعودها.
المغرب، مثل كثير من الديمقراطيات، لا يواجه مشكلة غياب الشباب عن المجتمع، وإنما يواجه، بدرجات متفاوتة، مشكلة ضعف حضورهم داخل دوائر القرار السياسي. فالمجتمع شاب، والفضاء العام يتغير بسرعة، والأجيال الجديدة تحمل أسئلة مختلفة حول العمل والحرية والعدالة والفرص والمشاركة، بينما لا تزال بعض البنى الحزبية والسياسية تتحرك بإيقاع أبطأ بكثير من إيقاع المجتمع ... وهنا تبدأ المفارقة.
كلما اتسعت المسافة بين تركيبة المجتمع وتركيبة النخب التي تدعي تمثيله، اتسعت معها احتمالات فقدان الثقة. فالشاب لا يريد بالضرورة أن يرى شخصا في عمره على رأس كل مؤسسة، لكنه يريد أن يشعر بأن الطريق إلى المسؤولية مفتوح أمامه، وأن الكفاءة والعمل والتدرج يمكن أن تقوده يوماً إلى موقع القرار، لا أن تظل مواقع النفوذ حكرا على من سبقوه بسنوات طويلة أو أنزلوا من أعلى في غفلة من الجميع مجهزين على أمل القيادات الشبابية المفترضة.
المشكلة، إذن، ليست في "كِبَر السن"، وإنما في غياب التداول، فالقيادة السياسية التي لا تعرف التجدد تتحول، مع مرور الوقت، إلى بنية دفاعية تحاول حماية مواقعها أكثر مما تحاول إنتاج خلف لها. وحين تغيب الديمقراطية الداخلية، يصبح الحزب عاجزا عن إنتاج قيادات جديدة، ويصبح الولاء في بعض الحالات أكثر فاعلية من الكفاءة، وتتحول العلاقات الشخصية والشبكات السياسية إلى آليات للصعود بدل أن تكون القدرة على الإقناع والعمل الميداني وخدمة المجتمع هي المعيار الأساسي.
وهذا أحد أسباب أن التشبيب في كثير من الأحيان يظل مجرد عنوان جميل يستعمل كمخدر شبيبات الأحزاب والكتلة الناخبة الشابة. إذ لا يكفي أن تقدم الأحزاب وجوها شابة في المؤتمرات أو الحملات الانتخابية أو في الصور الجماعية. التشبيب الحقيقي يبدأ عندما يحصل الشاب على فرصة فعلية للمنافسة، وعندما يستطيع أن ينتقل من الصفوف الخلفية إلى مواقع المسؤولية، وأن يختلف مع القيادة دون أن يدفع ثمن اختلافه بالإقصاء، وأن يبني مساره السياسي داخل المؤسسة لا خارجها.
الأمر نفسه ينطبق على ظاهرة "الإنزال بالباراشوت". فالمرشح الذي يأتي إلى دائرة انتخابية جاهزا من خارجها قد يكون كفؤا، وقد يمتلك تجربة سياسية أو مهنية مهمة، لكن طريقة اختياره يمكن أن تخلق لدى النخب المحلية والشباب خصوصا شعوراً بأن السياسة لا تكافئ دائما من يعمل من القاعدة إلى القمة وهذا شعور خطير للغاية، لأن السياسة، في جوهرها، ليست فقط تنافسا على المقاعد، بل هي أيضا صناعة للأمل في إمكانية الوصول إلى القرار. وعندما يقتنع جيل كامل بأن مواقع المسؤولية أصبحت حسم مسبقا، وأن الطريق إليها يمرعبر شبكات مغلقة، فإن أول ما يخسره هو الرغبة في المشاركة.
من هنا يمكن فهم جزء من ظاهرة العزوف السياسي لدى الشباب. فالعزوف ليس بالضرورة دليلا على عدم اهتمام الشباب بالشأن العام. الواقع أن هذا الجيل ربما يكون الأكثر حضورا في النقاش العام، لكنه يختار منصات أخرى للتعبير. يناقش السياسة على شبكات التواصل الاجتماعي، يراقب أداء المسؤولين، ينتقد الأحزاب، يشارك في النقاشات الرقمية، ويتفاعل بسرعة مع القضايا الوطنية والدولية، لكنه لا يجد دائما نفسه داخل التنظيمات السياسية التقليدية. وهذا يعني أن المشكلة ليست في غياب السياسة عن اهتمام الشباب، وإنما في أزمة الوساطة السياسية.
لقد تغير المجتمع أسرع من بعض الأحزاب. تغيرت اللغة، وأدوات التواصل، وانتظارات المواطنين، وحتى معنى القيادة. لكن جزءا من الخطاب السياسي ما زال أسير مفردات قديمة، وشعارات لا تجيب دائما عن أسئلة جيل يريد حلولاً ملموسة في التعليم والشغل والسكن والتنقل والعدالة الاجتماعية والفرص.
وحين لا يجد الشباب أنفسهم في الخطاب، ولا يجدون طريقا واضحا داخل التنظيمات، ولا يرون تداولا حقيقيا على المسؤوليات، يصبح الابتعاد عن السياسة نتيجة طبيعية، أو على الأقل مفهومة.
ومن هنا يمكن الربط، بحذر، بين أزمة تجدد النخب وأزمة المشاركة السياسية، وحتى ببعض مظاهر الهجرة "المؤلمة" التي شهدها شمال بلادنا قبل أسابيع. ليس من العلمي القول إن شيخوخة النخب تدفع الشباب إلى الهجرة مباشرة، فالهجرة ظاهرة مركبة تتداخل فيها البطالة والفوارق الاجتماعية والمجالية، وضعف الفرص، وتوقعات الحياة، وتأثير شبكات الهجرة، وصورة أوروبا التي تصنعها وسائل التواصل الاجتماعي. لكن من المشروع سياسيا وسوسيولوجيا أن نسأل: ماذا يحدث عندما يفقد الشاب الثقة في قدرته على تغيير مستقبله من داخل مجتمعه؟ هنا تصبح الهجرة، في بعض الحالات، أكثر من بحث عن وظيفة أو دخل أفضل. إنها تتحول إلى بحث عن أفق.
وموجات الهجرة الجماعية نحو سبتة، بما حملته من مشاهد صادمة، تستحق أن تقرأ أيضاً من هذه الزاوية. لا باعتبارها نتيجة مباشرة للعزوف السياسي أو لشيخوخة النخب، وإنما باعتبارها إحدى علامات أزمة أوسع تتعلق بالثقة في المستقبل. فالشاب الذي يشعر أن فرصه الاقتصادية محدودة، وأن المجال الاجتماعي غير عادل، وأن صوته السياسي لا يحدث فرقاً، قد يبدأ في البحث عن مستقبله في مكان آخر.
وإذا كان "جيل زد" قد نشأ في عالم بلا حدود رقمية، فإنه أكثر قدرة على المقارنة من الأجيال السابقة. الهاتف الذكي الذي يحمله في يده يضع أمامه في اللحظة نفسها صورة واقعه وصورة واقع آخر. وهو لا يقارن فقط الأجور ومستويات العيش، بل يقارن أيضا فرص المشاركة، وصعود الكفاءات، وأنماط القيادة، وإمكانية بناء المستقبل وهنا تكمن خطورة شيخوخة النخب السياسية أم "الهرم السياسي المقلوب" إذا صح النعبير مجازا. مجتمع تتغير قاعدته بسرعة، وشباب يشكلون جزءاً أساسياً من طاقته الديمغرافية، في مقابل نخب لا تتجدد بالسرعة نفسها. كلما اتسعت الفجوة بين الاثنين، أصبح النظام السياسي أمام تحدي تجديد نفسه قبل أن يتحول الاختلاف بين الأجيال إلى قطيعة.
ولا يتعلق الأمر بإحالة القيادات القديمة إلى التقاعد السياسي. فالأجيال السابقة راكمت تجارب لا يمكن الاستغناء عنها، والسياسة تحتاج إلى الخبرة بقدر حاجتها إلى الدماء الجديدة. المطلوب هو دوران النخبة لا إلغاء النخبة؛ انتقال الخبرة لا احتكارها؛ فتح المجال أمام جيل جديد دون قطع الصلة بالجيل الذي سبقه.فالحزب الذي لا ينتج خلفاءه يحكم على نفسه بالجمود. والقيادة التي تخشى بروز منافسين من داخل صفوفها قد تحافظ على موقعها لبعض الوقت، لكنها تضعف المؤسسة التي تقودها على المدى البعيد.
لذلك، فإن إعادة الثقة في السياسة تمر بالضرورة عبر إعادة بناء مسارات الصعود السياسي. انتخابات داخلية أكثر ديمقراطية، تداول حقيقي على المسؤوليات، معايير أوضح لاختيار المرشحين، تثمين للكفاءة والعمل الميداني، وتشجيع فعلي للشباب على تحمل المسؤولية، بدل الاكتفاء باستعمالهم كواجهة انتخابية.
فالرهان ليس فقط على أن يصوت الشباب. الرهان الأكبر هو أن يؤمنوا بأن لهم مكانا داخل السياسة، وإذا نجحت الأحزاب في جعل هذا المكان ممكناً، فإن صندوق الاقتراع سيصبح نتيجة طبيعية لعلاقة جديدة بين الأجيال والمؤسسات. أما إذا ظلت السياسة تبدو لشريحة واسعة من الشباب مجالاً مغلقا، تتكرر فيه الوجوه وتعاد فيه المواقع وتحسم فيه الترشيحات بعيدا عن القواعد المحلية، فإن العزوف سيستمر، وربما تبحث طاقات المجتمع عن مسارات أخرى للتعبير عن نفسها.وفي أسوأ الحالات، قد يكون أحد تلك المسارات هو الرحيل.
لذلك فإن سؤال تجديد النخب ليس سؤالا حزبياً ضيقا، ولا مجرد نقاش حول أعمار السياسيين. إنه سؤال حول قدرة السياسة المغربية على إنتاج المستقبل، فالأوطان لا تخسر أبناءها فقط عندما يهاجرون. بل أحيانا تبدأ خسارتها لهم في اللحظة التي يتوقفون فيها عن الاعتقاد بأن المستقبل يمكن أن يصنع هنا.
09 août 2026 - 19:00
08 août 2026 - 10:00
03 août 2026 - 14:30
03 août 2026 - 11:00
03 août 2026 - 09:00
مواطن حمدي27 juillet 2026 - 14:00