لم تكن مجانية التعليم مجرد امتياز تمنحه الدولة للطالب، ولا هي بند مالي يمكن إعادة النظر فيه كلما ارتفعت كلفة الجامعة أو ضاقت هوامش ميزانيتها. إنها، قبل ذلك، اختيار اجتماعي وسياسي يقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها وعميقة في نتائجها أن القدرة على التعلم لا ينبغي أن تتحدد بالقدرة على الدفع، وأن الجامعة العمومية يجب أن تظل إحدى أهم القنوات التي تتيح للفرد تحسين موقعه الاجتماعي انطلاقا من الكفاءة والاستحقاق، لا من حجم دخله أو قدرة أسرته على تمويل دراسته.
من هذه الزاوية، فإن الجدل الدائر حول فرض رسوم على بعض مسارات التكوين الجامعي، خصوصا في إطار "التوقيت الميسر"، لا ينبغي أن يختزل في سؤال تقني حول قيمة الرسوم أو طريقة استخلاصها. فالمسألة أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام اختبار حقيقي لفلسفة التعليم العمومي: هل ما زالت الجامعة فضاء مفتوحا لتوسيع تكافؤ الفرص، أم أننا نتجه تدريجيا نحو نموذج تصبح فيه بعض المسارات الأكاديمية خدمات لها ثمن، ويصبح الطالب، ولو بشكل غير مباشر، طرفا في معادلة السوق؟
لا أحد يجادل في أن الجامعة تحتاج إلى موارد، وأن التكوين المستمر يحتاج إلى تجهيزات وأطر وبرامج وكلفة مالية. ولا أحد يعترض على حق المؤسسات الجامعية في تطوير عروض تستجيب لحاجيات الموظفين والأجراء والمهنيين. لكن الخلط بين الحاجة إلى تمويل الجامعة وبين تحميل الطالب كلفة إصلاحها هو بالضبط ما يستحق النقاش. فالجامعة العمومية لا ينبغي أن تبحث عن مواردها السهلة في جيوب أولئك الذين يعودون إليها طلبا للعلم.
الموظف الذي يقرر، بعد سنوات من العمل، أن يستأنف دراسته، أو أن يحصل على شهادة أعلى، أو أن يطور تخصصه، لا يفعل ذلك بالضرورة بحثا عن امتياز شخصي. إنه يستثمر في رأس المال البشري للمجتمع أيضا. وكل درهم ينفقه على تكوينه قد يعود بالنفع على الإدارة أو المؤسسة أو المقاولة التي يعمل بها، وعلى الاقتصاد الذي يحتاج إلى كفاءات أكثر تأهيلا. ولذلك فإن التعامل معه فقط باعتباره "مستفيداً من خدمة جامعية" يختزل علاقة أكثر تعقيدا بين الفرد والدولة والجامعة وسوق الشغل.
ثم إن مجانية التعليم لا تعني أن التعليم مجاني فعلا من حيث الكلفة على الدولة. المواطن يموله، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من خلال الضرائب والموارد العمومية. ولذلك فإن السؤال العادل ليس: لماذا لا يدفع الطالب؟ وإنما: لماذا يدفع المواطن مرتين؟ مرة حين يساهم في تمويل الجامعة العمومية، ومرة حين يجد نفسه مطالباً بأداء رسوم من أجل الولوج إلى بعض مساراتها؟ هنا تظهر الطبقية التعليمية في صورتها الأكثر هدوءاً وخطورة.
فحين تصبح بعض التكوينات مرتبطة بالأداء، فإن الطالب الذي يملك دخلا مستقرا أو أسرة قادرة على دعمه يمتلك هامشا أكبر للمناورة والاختيار. أما الموظف محدود الدخل، أو الأجير الذي يتحمل أعباء أسرية، أو الشاب الذي يعمل بأجر متوسط ويريد العودة إلى الجامعة، فقد يجد نفسه أمام معادلة مختلفة تماما إما أن يدفع، وإما أن يؤجل طموحه العلمي، وإما أن يتخلى عنه.وهكذا لا يعود السؤال متعلقا بجودة التكوين فقط، بل بمن يستطيع الوصول إليه.
وهذه هي النقطة التي يجب أن تقلق صانع القرار. لأن الجامعة التي توسع عروضها لكنها تضيق دائرة القادرين على الاستفادة منها قد تكون قد حققت إصلاحا إداريا، لكنها لم تحقق بالضرورة تقدماً اجتماعيا.
والأخطر أن هذا التحول يأتي في سياق أوسع تتسع فيه مكانة التعليم الخاص والمؤسسات الأجنبية داخل منظومة التعليم العالي. والانفتاح على هذه المؤسسات ليس مشكلة في حد ذاته؛ بل قد يكون مفيدا إذا رفع مستوى المنافسة والجودة وجذب الخبرات والاستثمارات التعليمية. لكن المنافسة لا تكون عادلة إذا بدأت الجامعة العمومية نفسها في الاقتراب من منطق السوق، بينما تظل الفوارق الاجتماعية قائمة، وتظل القدرة على الأداء عاملا مؤثرا في الاختيار. إذ لا ينبغي أن تتحول الجامعة العمومية إلى منافس للقطاع الخاص في بيع التكوين، بل إلى مرجع في ضمان جودته وعدالته.
فالجامعة ليست فندقا يبيع غرفه بحسب الطلب، ولا شركة خدمات تضع سعرا لكل منتج. هي مؤسسة عمومية لها وظيفة تتجاوز الحساب المالي المباشر. مهمتها أن تنتج المعرفة، وأن تفتح المجال أمام الحراك الاجتماعي، وأن تمنح الدولة اقتصادا أكثر كفاءة ومجتمعا أكثر تأهيلا.
ومن هنا، فإن إصلاح التعليم العالي يجب أن يبدأ من سؤال مختلف كيف نمول الجامعة بشكل مستدام دون أن نجعل الطالب الحلقة الأضعف في معادلة التمويل؟ كيف نرفع جودة التكوين دون تحويل الرسوم إلى حاجز اجتماعي؟ كيف نستقطب موارد القطاع الخاص والشراكات الدولية دون أن نتخلى عن الوظيفة العمومية للجامعة؟ هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تكون في قلب النقاش، بدل الاكتفاء بالقول إن الأداء مؤطر بالقانون. فالقانون قد يسمح، لكن السياسة العمومية مطالبة دائما بأن تسأل هل ما يسمح به القانون يحقق العدالة؟
وفي نهاية المطاف، ليست قيمة الجامعة في عدد الشهادات التي تمنحها، ولا في حجم الموارد التي تستطيع تحصيلها، وإنما في قدرتها على أن تقول لشاب أو موظف أو أجير من أسرة متوسطة أو محدودة الدخل يمكنك أن تتعلم وتتقدم لأن كفاءتك هي معيارك، وليس لأنك تملك ثمن الشهادة.
وهنا تحديدا تكمن قيمة مجانية التعليم: ليست أن يتعلم الجميع دون أن تدفع الدولة شيئاً، وإنما أن لا يصبح المال شرطا للارتقاء بالعلم. وإذا بدأ هذا الشرط يتسلل تدريجيا إلى الجامعة العمومية، فإننا لا نكون أمام مجرد رسوم إضافية، بل أمام تغيير هادئ في العقد الاجتماعي الذي قامت عليه المدرسة والجامعة العموميتان.
10 août 2026 - 12:00
30 juillet 2026 - 22:00
27 juillet 2026 - 09:00
21 juillet 2026 - 12:30
13 juillet 2026 - 10:00
مواطن حمدي