عبد القادر الفطواكي
ليس كل ما يقال في السياسة يمكن اختزاله في زلة لسان، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتصريحات صادرة عن مسؤولين من وزن فوزي لقجع وعزيز أخنوش، وفي لحظة انتخابية يصبح فيها كل تصريح قابلا للتحول إلى موقف سياسي. فحين يعلن لقجع، من منصة انتخابية، أن نهائي كأس العالم 2030 سيقام في ملعب الحسن الثاني ببنسليمان، ثم يخرج أخنوش بعد ساعات ليؤكد أن المغرب لم يدخل بعد في أي نقاش رسمي مع إسبانيا والبرتغال بشأن المباراة الختامية، فإن الأمر يتجاوز مجرد اختلاف في التعبير ليطرح سؤالا مشروعا حول من يملك حق إعلان القرارات المرتبطة بتنظيم حدث عالمي بهذا الحجم، وحول حدود الفصل بين المسؤولية الرياضية والخطاب السياسي.
المفارقة أن التصريحين صدرا في خضم حملة انتخابية، وفي فضاءين انتخابيين متقاربين، ما منح القضية بعدا سياسيا لم يكن ليأخذه لو تعلق الأمر بتصريحات تقنية داخل المؤسسات الرياضية. فلقجع قدم صورة نهائي المونديال في بنسليمان بعين العارف، كما لو أن الاختيار قد حسم، بينما أعاد أخنوش الملف إلى مربع التفاوض، مؤكدا أن النقاش مع الشريكين الإيبيريين لم يصل إلى مرحلة الحسم.
أخطأ فوزي لقجع عندما تحدث، خلال لقاء حزبي للأصالة والمعاصرة ببوزنيقة، عن إقامة نهائي كأس العالم 2030 في ملعب بنسليمان بلغة توحي بأن القرار حسم، بينما القرار النهائي يبقى من اختصاص "فيفا". كان من حقه أن يتحدث عن الطموح المغربي، وعن قوة الملف، وعن قدرة ملعب الحسن الثاني على احتضان النهائي، لكن تحويل الطموح إلى ما يشبه اليقين، وربطه بتطوير الإقليم وبمن سيشارك في الحكومة المقبلة، نقل الكلام من المجال الرياضي إلى المجال الانتخابي.
وهنا تحديدا تكمن حساسية موقف لقجع. فبعد دخوله المعترك السياسي، لم يعد ممكنا الفصل بسهولة بين رصيده كرئيس للجامعة ورصيده كفاعل حزبي. كرة القدم المغربية راكمت خلال السنوات الأخيرة رأسمالا شعبيا ورمزيا كبيرا، لكن هذا الرصيد لا ينبغي أن يتحول إلى رأسمال انتخابي، كما أن الجامعة والمنتخب الوطني لا يمكن أن يصبحا امتدادا لأي حزب سياسي.
كان يمكن أن ينتهي الأمر عند هذه الحدود، لولا أن رد عزيز أخنوش جاء من منصة حزبية بدوره، مستحضرا إخفاقات رياضية ووعودا لم تتحقق، قبل أن يؤكد أن موقع ملعب بنسليمان اختاره الملك وأن تمويله من أموال الدولة. وهنا وبدلا من أن يصحح رئيس الحكومة خطأ لقجع ويعيد النقاش إلى إطاره المؤسساتي، انخرط في السجال نفسه، لكن من الجهة المقابلة. فإذا كان لقجع قد أدخل السياسة إلى كرة القدم، فإن أخنوش أدخل كرة القدم إلى المعركة السياسية، حين جعل نتائج المنتخبات ووعود المسؤول الرياضي جزءا من رده الحزبي.
قد يكون من حق رئيس الحكومة أن يحاسب وينتقد وأن يرفض احتكار أي مسؤول للفضل في مشروع عمومي، لكن هناك فرقا بين المحاسبة وبين تحويل الإخفاقات الرياضية إلى ذخيرة انتخابية. فالرياضة شأن مؤسساتي، والمنتخبات الوطنية ملك للمغاربة، ومشاريع البنية التحتية الكبرى تنجز بالمال العام؛ لذلك لا ينبغي أن تتحول إلى مادة للمزايدة الحزبية، لا من طرف من ينسب الإنجاز إلى نفسه، ولا من طرف من يسحب منه هذا الإنجاز في تجمع انتخابي.
وتزداد المسألة حساسية في ظل المعركة التي يخوضها المغرب حول نهائي كأس إفريقيا، والجهد الذي تبذله الجامعة في الدفاع عن الملف المغربي في مواجهة السنغال. فمثل هذه الملفات تحتاج إلى تماسك المؤسسات ووحدة الرسالة، لا إلى خلافات علنية تمنح الانطباع بأن كرة القدم أصبحت جزءاً من الحسابات السياسية الداخلية.
المشكلة إذن ليست في أن لقجع تحدث عن طموح المغرب، ولا في أن أخنوش أراد تصحيح ما اعتبره مبالغة. المشكلة في ثلاثية "السياق والمنصة واللغة". الأول تحدث عن قرار دولي لم يحسم من داخل تجمع حزبي، والثاني واجه ذلك بخطاب انتخابي استحضر حصيلة الكرة وملكية مشروع عمومي.
وهنا تبرز أخلاقيات الحملات الانتخابية فالمنافسة ينبغي أن تدور حول البرامج والحصيلة والبدائل، لا حول اقتسام ملكية إنجازات الدولة. الملعب ليس ملكاً للقجع، كما أنه ليس إنجازاً انتخابياً لأخنوش. إنه مشروع دولة، وتمويله من المال العام، ونجاحه يفترض أن يكون للمغاربة جميعا.
كما أن نقد رئيس الجامعة لا ينبغي أن يتحول إلى انتقاص من مسار كرة القدم المغربية، التي أصبحت إحدى واجهات القوة الناعمة للمملكة. وبالمقابل، فإن هذا الرصيد الرياضي لا يمنح لقجع حصانة من النقد ولا حقا في تحويل الشعبية الرياضية إلى خطاب انتخابي. لقد كان بإمكان لقجع القول أن المغرب يطمح إلى النهائي وسيترافع عنه. وكان بإمكان أخنوش أن يرد بكل بساطة أن القرار لم يحسم بعد، وأن الملعب مشروع ملك ودولة. وانتهى الأمر. لكن كليهما اختار المنصة الحزبية، فانتقلت كرة القدم من الملعب إلى ساحة التجاذب السياسي.
وهنا تكمن المفارقة، لقجع أخطأ عندما خلط بين طموح الكرة ويقين السياسة، وأخنوش زلّ عندما حاول تصحيح الخطأ بلغة السياسة نفسها.في النهاية، الملعب سيبقى، والمنتخب سيبقى، والدولة ستبقى، أما الأشخاص والأحزاب فتمر. ولذلك فإن الإنجازات الوطنية لا تحتاج إلى مالكين سياسيين، كما أن الإخفاقات الرياضية لا ينبغي أن تتحول إلى أوراق انتخابية.
كرة القدم المغربية أكبر من لقجع وأخنوش، ومشاريع الدولة أكبر من أن تصبح مادة للمزايدة في موسم الانتخابات، وأوراق يستعملها أعداء الوطن ضد هذا الوطن الأمين.
26 octobre 2026 - 08:30
19 octobre 2026 - 10:00
12 octobre 2026 - 11:00
05 octobre 2026 - 11:00
29 septembre 2026 - 17:50
ضيوف المواطن
عندكم 2 دقايق
صوت المواطن22 octobre 2026 - 13:00
26 octobre 2026 - 10:30