عبد القادر الفطواكي
ما يحدث في مشاورات تشكيل الحكومة لا يبعث -أوحتى الآن على الأقل- على الاطمئنان، فبدل أن تكون لحظة سياسية لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية وصياغة تعاقد حكومي جديد، تبدو المشاورات وكأنها تنزلق تدريجيا إلى مفاوضات حول المواقع والحقائب وحجم الحضور داخل السلطة، وكأن الانتخابات لم تكن تفويضا لتنفيذ مشروع وتصور، بل شيكا سياسيا يصرف عند باب الحكومة.
المشكلة ليست في أن تتفاوض الأحزاب، ولا في أن تطمح إلى المشاركة في الحكومة. فالتفاوض جزء أصيل من العمل السياسي، والمشاركة في تدبير الشأن العام ليست تهمة. المشكلة تبدأ عندما ينقلب ترتيب الأولويات، وحين تصبح الحقيبة هدفا، والبرنامج مجرد وسيلة لتبريرها، هنا بالضبط ينبغي أن نتوقف ونتأمل قليلا.
الحكومة ليست معرضا لتوزيع المناصب، والوزارة ليست مكافأة انتخابية، والوزير ليس مندوبا لحزبه داخل الدولة. الحكومة، في النهاية، مسؤولية أمام المواطنين، والحقائب التي توزع في غرف المشاورات ستختبر نتائجها في المقاهي والإدارت والأسواق ومقرات العمل وغيرها، لهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يرافق المشاورات ليس من سيدخل الحكومة؟ ولا من سيحصل على هذه الحقيبة أو تلك؟ بل لماذا سيدخل؟ وماذا سيقدم؟ وما الذي سيتغير؟.
ففي الحالة الطبيعية، تسعى الأحزاب إلى المشاركة من أجل تنزيل برامجها والوفاء بالتزاماتها الانتخابية. أما حين تتحول المشاركة إلى غاية في ذاتها، يصبح البرنامج مهددا بأن يتحول إلى ملحق بالمفاوضات، بدل أن تكون المفاوضات في خدمة البرنامج. وهنا تصبح المشاورات اختبارا حقيقيا لمصداقية الأحزاب، وليس فقط لرئيس الحكومة المكلف. فالحزب الذي يطلب المشاركة مطالب بأن يجيب المغاربة أولا عن سؤال القيمة المضافة التي سيضيفها للحكومة، وماذا يستطيع أن يغيره، بل وأن يسرد بكل وضوح الأولويات التي سيدافع عنها بالإضافة إلى الثمن السياسي الذي سيكون مستعدا لدفعه إذا تعارضت المبادئ والبرامج مع حسابات الاستمرار في السلطة.
أما مجرد الاكتفاء بالحديث عن الرغبة في المشاركة، أو التلويح بالاستعداد لدخول الحكومة، أو انتظار موقع داخل الأغلبية، فلن يكون كافيا أمام ناخب أصبح أكثر حساسية تجاه الفارق بين الخطاب الانتخابي والممارسة السياسية. ولعل النقاش الذي رافق مواقف بعض القيادات الحزبية خلال هذه المشاورات يكشف أن الكلمة السياسية في لحظات التفاوض ليست مجرد تصريح عابر. فالقيادة السياسية لا تتحدث إلى الصحافة وحدها؛ إنها تتحدث في الوقت نفسه إلى الحلفاء والخصوم والقواعد والناخبين. ولذلك فإن العبارة الواحدة قد تصبح جزء من التفاوض، وقد يكون أثرها السياسي أكبر من صاحبها.
المشكلة ليست أن الأحزاب تريد الحكومة؛ المشكلة أن الحكومة قد تتحول إلى غاية الأحزاب. فحين تبدأ المشاورات من الحقائب قبل أن تبدأ من البرنامج، ومن أسماء الوزراء قبل أن تبدأ من أولويات الدولة، يصبح واضحا أن شيئا ما انقلب في ترتيب السياسة. الانتخابات منحت الأحزاب تفويضا لخدمة المواطنين، لا صكاً لتقاسم كعكة السلطة. والوزارة ليست غنيمة تنتزع بحنكة التفاوض، وإنما مسؤولية ثقيلة تقاس بما تحققه لا بما تمنحه لصاحبها من نفوذ.
وحين يصبح السؤال عن وزن الحقيبة أهم من وزن المسؤولية، وحين تتقدم حسابات الاستوزار على حسابات الإصلاح، فإن الخطر لا يكون في شكل الحكومة المقبلة، بل في المنطق الذي ستبنى عليه. لأن الحكومة التي تبدأ بتوزيع النفوذ قبل تحديد المشروع، قد تنجح في تركيب أغلبيتها، لكنها لن تكون قد أجابت بعد عن السؤال الذي يهم المغاربة فعلا: ماذا ستفعل بهذه السلطة التنفيذية التي تعني الكثير؟
المواطن المغربي لا تعنيه كثيرا هوية الحزب الذي حصل على حقيبة وازنة بقدر ما يعنيه من سيواجه أعطاب الصحة، ومن سيصلح التعليم، ومن سيخلق فرص الشغل، ومن سيحمي القدرة الشرائية، ومن سيعيد الاعتبار للإدارة، ومن سيمنح الشباب أملا حقيقيا في المستقبل. إنه يريد حكومة تحاسَب على النتائج، لا حكومة تقاس قوتها بعدد الحقائب التي حصلت عليها الأحزاب.
وفي هذا الباب نستحضر نظرية "القانون الحديدي لحكم الأقلية" لعالم الاجتماع والسياسة "روبرت ميشلز"، والتي حذر خلالها من ميل التنظيمات السياسية إلى تركيز السلطة في أيدي قيادات محدودة، بما قد يجعل الحفاظ على النفوذ والمواقع يتقدم، مع مرور الوقت، على الأهداف التي تأسست التنظيمات من أجلها. لا يتعلق الأمر هنا بمحاولة إسقاط نظرية "ميشلز" بشكل آلي على الأحزاب المغربية، وإنما باستحضار سؤالها المركزي هل تظل القيادة وسيلة لخدمة المشروع، أم يتحول المشروع تدريجيا إلى وسيلة لخدمة القيادة؟، ذلك في اعتقادي هو السؤال الذي يستحق أن يطرح اليوم.
فالأحزاب تخوض الانتخابات باسم التغيير، ومحاربة البطالة، وتحسين القدرة الشرائية، وإصلاح الخدمات العمومية، وتقوية العدالة الاجتماعية والمجالية. لكنها بعد ظهور النتائج تدخل اختبارا آخر يتمحور حول ترتيب الأولويات. فإذا كان الناخب قد منح صوته على أساس برنامج، فكيف تصبح الحقيبة الوزارية معيار النجاح الأول؟، وإذا كانت القيادات السياسية تتحدث عن استعادة الثقة في العمل الحزبي، فكيف يمكن استعادة هذه الثقة إذا بدت مفاوضات المواقع أكثر وضوحاً من مفاوضات البرامج؟.
إن الأمر هنا لا يتعلق الأمر بالدفاع عن حزب ضد آخر، ولا بمهاجمة قيادة بعينها. المعيار يجب أن يكون واحدا للجميع، من يشارك في الحكومة مطالب بتبرير مشاركته سياسيا وبرنامجيا، ومن يختار المعارضة مطالب أيضا بتفسير اختياره ومسؤوليته تجاه الناخبين، فلا أحد فوق المساءلة، ولا أحد يملك احتكار الحديث باسم المصلحة العامة.
المغاربة لا يحتاجون إلى حكومة جديدة في الأسماء فقط، بل إلى حكومة جديدة في تصوراتها وتنزيل وعودها ومصالحة المغربي مع سياسته، فالسلطة في نهاية المكاف ليست غنيمة والوزارة ليست مكافأة، والمشاركة ليست نهاية الطريق. من يدخل الحكومة عليه أن يعرف أن لحظة الحصول على الحقيبة هي بداية الحساب وليست نهايته، لأن المغاربة لن يتذكروا كثيرا من جلس إلى جانب من حول طاولة الحكومة، بقدر ما سيتذكرون ماذا فعل هؤلاء عندما جلسوا إليها.
29 septembre 2026 - 17:50
21 septembre 2026 - 12:30
14 septembre 2026 - 10:00
07 septembre 2026 - 12:00
04 septembre 2026 - 18:00
ضيوف المواطن
عندكم 2 دقايق
صوت المواطن28 septembre 2026 - 15:00