مواطن
ثمة شيء ليس على ما يرام في المشهد الانتخابي ببلادنا. فقد بلغت حصيلة الترشيحات للانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، 1,850 لائحة تضم 7,288 مترشحاً ومترشحة، أي بمعدل يفوق 18 ترشيحاً لكل مقعد من مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 395 مقعدا. وهي أرقام تعكس، في ظاهرها، كثافة المنافسة الانتخابية وتعدد الراغبين في الوصول إلى المؤسسة التشريعية. غير أن هذه الصورة المزدحمة تخفي مفارقة أخرى، مفادها أنه كلما اتسعت دائرة المتنافسين، بدا حضور الشباب في المشهد الانتخابي أقل مما يفترض أن يكون عليه.
ومن جهة أخرى، تكشف معطيات هامة حول الهيئة الناخبة أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة لا يمثلون سوى 4 في المائة من المسجلين في اللوائح الانتخابية. وهنا تبرز مفارقة محيرة للغاية تتلخص في أن الساحة السياسية مزدحمة بالمرشحين، لكن في المقابل يبقى الحضور الانتخابي محدودا لفئة عمرية تمثل أحد أكثر الأجيال حضورا في النقاش العمومي والفضاء الرقمي. الأرقام هنا لا تصدر حكما، لكنها تضع سؤالا ثقيلا على الطاولة: هل يعزف الشباب عن السياسة، أم أن السياسة نفسها لم تعد تعرف كيف تصل إليهم؟.
المفارقة أن "جيل Z" ليس غائبا عن الشأن العام. هو في قلبه. يناقش البطالة، والهجرة، والتعليم، والصحة، والأسعار، والعدالة الاجتماعية. يحتج، ويسائل، وينتقد، ويصنع رأيا عاما موازيا عبر شاشات هاتفه الذكي. وأحيانا يكفي مقطع قصير أو تدوينة واحدة لكي يتحول موضوع هامشي إلى قضية وطنية. فكيف يصبح هذا الجيل، بكل هذا الحضور، أقل حضورا حين يتعلق الأمر بالحزب والانتخاب وصندوق الاقتراع، ربما لأن السياسة التي يعرفها هذا الجيل ليست هي السياسة التي اعتدنا عليها.
لقد تغير الزمن، وتغيرت معه طريقة صناعة الرأي. لم يعد الحزب وحده بوابة المواطن إلى السياسة، ولم يعد التجمع الانتخابي المكان الوحيد الذي تُصنع فيه القناعات. السياسة دخلت لب الهواتف الذكية، وصارت تُناقش في المقاهي كما في المنصات الرقمية، وصار الشاب قادرا على مساءلة المنتخب قبل أن يصل إلى البرلمان، وعلى محاسبة الخطاب قبل أن يتحول إلى برنامج. لكن جزءا من الخطاب السياسي ما زال يتصرف، أحياناً، وكأن الزمن توقف عند الميكروفون واللافتة والصورة الجماعية. وهنا بالضبط تبدأ المسافة.
المشكلة ليست في أن الأحزاب لا تتحدث عن الشباب. بالعكس، الشباب حاضر في البرامج، والخطابات، والحملات، وحتى في الترشيحات. لكن هناك فرق بين أن تتحدث إلى الشباب، وأن تجعلهم يشعرون بأن السياسة تتحدث عنهم. الشاب لا يريد فقط أن يسمع وعودا بالتشغيل. يريد أن يعرف أين هي الوظيفة. ولا يريد فقط خطابا عن إصلاح التعليم. يريد أن يعرف ماذا سيحدث لمدرسته وجامعته. ولا يريد فقط الحديث عن الهجرة. يريد أن يفهم لماذا يصبح الرحيل، في مخيلته أحيانا، أكثر إقناعا من البقاء.
لهذا، لا تكفي كثرة المرشحين لإثبات حيوية السياسة، كما لا تكفي كثرة الأحزاب لإثبات تعدد الاختيارات. فالحيوية السياسية لا تقاس فقط بعدد الذين يريدون الوصول إلى البرلمان، وإنما أيضا بعدد الذين يشعرون بأن البرلمان يعنيهم. وهنا يصبح رقم 227 برلمانيا من أعضاء البرلمان الحالي تقدموا بترشيحاتهم من جديد رقما يستحق التأمل، وليس باعتباره حكما على الأشخاص أو على أدائهم، وإنما باعتباره سؤالا مشروعا حول تجدد النخب السياسية وقدرتها على فتح المجال أمام وجوه وأفكار جديدة. ويتوزع هؤلاء بين 204 نواب، و20 نائبة، وثلاثة مستشارين.
وفي الجهة الأخرى، هناك 2,658 ترشيحا نسائيا، أي 36.47 في المائة من مجموع الترشيحات. ويتوزع هذا الرقم بين 1,783 مترشحة في الدوائر الانتخابية الجهوية، و875 مترشحة في الدوائر المحلية، كما ترأست مترشحات 121 لائحة محلية. تكشف هذه الأرقام، في حد ذاتها، عن تحولات في تركيبة المنافسة الانتخابية، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الأكبر: هل تغيرت السياسة فعلاً، أم تغيرت فقط تركيبة المتنافسين عليها؟ ذلك هو الامتحان الحقيقي.
فالشباب لا يحتاج إلى من يلومه لأنه لم يذهب إلى الصندوق. يحتاج إلى من يسأله، لماذا لم يجد في الصندوق ما يكفي من الأسباب للذهاب إليه؟ ولا يحتاج إلى محاضرة في المواطنة. يحتاج إلى تجربة سياسية تقنعه بأن المواطنة ليست مجرد ورقة اقتراع كل خمس سنوات. ربما لهذا السبب، يجب أن نتوقف عن استعمال عبارة "عزوف الشباب" كأنها تفسير جاهز. العزوف نتيجة، وليس تفسيرا. والسياسة التي تكتفي بوصف النتيجة، دون البحث عن أسبابها، تشبه طبيباً يصف الحرارة دون أن يبحث عن المرض.
"جيل Z" لا يكره السياسة. هو فقط أكثر شكا، وأسرع مساءلة، وأقل استعداداً لتصديق الكلام لمجرد أنه قيل من منصة انتخابية. وهذا، في حد ذاته، ليس مشكلة الشباب. قد يكون تحديا للسياسة. فالانتخابات المقبلة ستنتج برلمانا جديدا، لكن السؤال الذي ينبغي ألا ينتهي بانتهاء يوم الاقتراع يتجاوز أسماء الفائزين والخاسرين: هل ستنتج أيضا علاقة جديدة بين الشباب والسياسة؟ ذلك أن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يختلف الشباب مع الأحزاب. فالاختلاف جزء من السياسة، بل هو أحد شروط حيويتها. الأخطر هو أن يتوقف الشباب عن الاعتقاد بأن السياسة تستحق أصلا أن يختلف معها.
"جيل Z" والشباب المغربي عموما لا يكرهون السياسة... لكنهم لم يعودوا مستعدين لأن يحبوه بالطريقة التقليدية.
26 octobre 2026 - 08:30
19 octobre 2026 - 10:00
12 octobre 2026 - 11:00
05 octobre 2026 - 11:00
29 septembre 2026 - 17:50
عندكم 2 دقايق
صوت المواطن30 October 2026 - 21:00
30 October 2026 - 12:00