لم يكن الوداد الرياضي يوما مجرد نادٍ لكرة القدم. كان، ولا يزال، جزء من الذاكرة الجماعية للمغاربة، وعنوانا للهوية الوطنية في المحافل القارية والدولية. لذلك، فإن ما يعيشه النادي اليوم لا يمكن اختزاله في أزمة نتائج، أو خلاف انتخابي، أو صراع بين مرشحين على كرسي الرئاسة. إنها أزمة تعكس، في جوهرها، تراجعا في ثقافة المؤسسة، وانحرافا عن القيم التي صنعت مجد "وداد الأمة".
حين تأسس الوداد سنة 1937، لم يولد في ملاعب كرة القدم، بل وُلد من رحم الحركة الوطنية، وكان عنوانًا للمقاومة والكرامة والانتماء. ومن هنا جاء وصفه بـ"وداد الأمة"، لأنه تجاوز منذ البداية حدود الرياضة ليصبح رمزا وطنيا. لهذا السبب بالذات، فإن كل أزمة يعيشها الوداد تتحول إلى قضية رأي عام، لأن المتضرر ليس جمهور النادي وحده، بل صورة مؤسسة صنعت جزءًا من تاريخ المغرب الرياضي.
اليوم، يجد الوداد نفسه رهينة صراعات إدارية وقانونية وانتخابية لا تكاد تنتهي. بيانات متبادلة، طعون، تشكيك في المساطر، وانقسامات بين المنخرطين، بينما يغيب الحديث عن المشروع الرياضي، وعن كيفية إعادة النادي إلى مكانته الطبيعية. وكأن الجميع يتنافس على رئاسة مؤسسة فقدت بوصلتها، بدل أن يتنافسوا على إنقاذها.
المؤسف أن الأزمة الحالية ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكم سنوات من تدبير يقوم على الأشخاص أكثر مما يقوم على المؤسسات. فكلما تغير الرئيس، بدأ النادي من جديد، وكأن الوداد لا يملك ذاكرة إدارية ولا مشروعا استراتيجيًا يمتد لعشر سنوات أو أكثر. وفي كرة القدم الحديثة، لا تبنى الأندية الكبرى بمنطق الولايات الانتخابية، بل بمنطق استمرارية المؤسسات.
وفي خضم هذا المشهد، يبقى الجمهور هو الخاسر الأكبر. جمهور ظل يسافر خلف الفريق في كل الملاعب، ويملأ المدرجات، ويصنع أجمل اللوحات، ويمنح الوداد هيبته داخل المغرب وخارجه. لكنه اليوم يجد نفسه يتابع خلافات لا تشبه تاريخ النادي، ولا تليق باسمه، ولا تليق بتضحيات أجيال من المسيرين واللاعبين الذين وضعوا مصلحة الوداد فوق كل اعتبار.
إن الأزمة ليست في أسماء المرشحين، ولا في هوية الرئيس المقبل، بل في غياب رؤية واضحة للحكامة. فالوداد بحاجة إلى إدارة حديثة، وشفافية مالية، ومؤسسات قوية، وآليات رقابة حقيقية، قبل حاجته إلى رئيس جديد. لأن الأشخاص يرحلون، أما المؤسسات فهي التي تبقى.
لقد أثبتت تجارب الأندية العالمية أن النجاح يبدأ من الاستقرار الإداري، ومن وضوح الاختصاصات، ومن احترام القوانين، وليس من كثرة المؤتمرات الصحفية أو البيانات المتبادلة. والوداد، بما يملكه من تاريخ وجماهيرية ورأسمال رمزي، يستحق أن يكون نموذجًا في الحكامة الرياضية، لا مادة يومية للصراعات.
إن المسؤولية اليوم لا تقع على طرف واحد. فهي مسؤولية جماعية يتحملها كل من يرى في الوداد وسيلة لتحقيق نفوذ أو تصفية حسابات أو صناعة مجد شخصي. فالوداد أكبر من أي رئيس، وأكبر من أي مكتب مسير، وأكبر من أي انتخابات.
ربما يحتاج الجميع إلى التوقف قليلا واستحضار سؤال بسيط وهو كالتالي "ماذا سنترك للأجيال القادمة؟ هل سنورثها ناديا يعيش على أمجاده الماضية، أم مؤسسة قادرة على صناعة أمجاد جديدة؟".
الوداد لا يحتاج إلى منتصر في معركة انتخابية، بل إلى رجال دولة في التسيير الرياضي، يؤمنون بأن خدمة النادي شرف ومسؤولية، لا امتياز ولا غنيمة.
لك الله يا وداد الأمة...
فالتاريخ الذي صنعته بدموع الأنصار وعرق الأبطال لا يستحق أن يُختزل اليوم في صراع على الكراسي، بل يستحق أن يُصان بحكمة تليق باسم ظل، لعقود، مرادفًا للفخر والانتماء.
13 juillet 2026 - 10:00
29 juin 2026 - 10:00
15 juin 2026 - 12:00
12 juin 2026 - 12:00
08 juin 2026 - 18:00
مواطن حمدي14 juillet 2026 - 09:00
15 juillet 2026 - 11:00