عبد القادر الفطواكي
منذ سنوات، لم يعد موضوع الساعة الإضافية في المغرب مجرد إجراء تقني لتنظيم الزمن الإداري أو الاقتصادي، بل تحول إلى قضية مجتمعية مركبة، تتقاطع فيها الأبعاد الصحية والنفسية والاجتماعية، وتكشف عن فجوة واضحة بين منطق القرار العمومي وإيقاع الحياة اليومية للمواطنين. وتزداد حدة هذا الجدل كلما عادت عقارب الساعة إلى التقديم بعد شهر رمضان، في لحظة يشعر فيها المغاربة وكأنهم يُدفعون قسراً إلى نظام زمني لا يعكس حاجاتهم البيولوجية ولا خصوصياتهم المجتمعية.
إن ما يبدو قراراً بسيطا في ظاهره، يخفي في عمقه آثارا معقدة على الصحة النفسية والجسدية. فالساعة البيولوجية للإنسان، باعتبارها نظاماً دقيقاً ينظم النوم واليقظة والتركيز، تتعرض لاضطراب واضح مع كل تغيير مفاجئ في التوقيت. ويظهر ذلك جلياً في صعوبات الاستيقاظ المبكر، خاصة لدى الأطفال والتلاميذ، الذين يجدون أنفسهم مضطرين لمغادرة منازلهم في ساعات الفجر المظلمة، في ظروف مناخية ونفسية غير ملائمة. هذا الخلل لا ينعكس فقط على مزاجهم اليومي، بل يمتد إلى قدراتهم الذهنية، حيث تتراجع مستويات التركيز والاستيعاب، وتتزايد مظاهر التعب والقلق.
أما على المستوى الجسدي، فإن اضطراب النوم الناتج عن هذا التغيير الزمني يؤدي إلى إرهاق مزمن، واضطرابات في الجهاز العصبي، بل وقد يساهم في تفاقم بعض الحالات المرضية المرتبطة بالتوتر والضغط. فالنوم ليس مجرد راحة، بل هو شرط أساسي للتوازن الصحي، وأي مساس به ينعكس مباشرة على جودة الحياة.
ولا تقف تداعيات الساعة الإضافية عند حدود الفرد، بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع. إذ تعاني الأسر من صعوبة في تنظيم الزمن اليومي، بين توقيت عمل الآباء وتمدرس الأبناء، في ظل غياب انسجام زمني واضح. كما أن التنقل في ساعات مبكرة من الصباح، في الظلام، يطرح إشكالات تتعلق بالسلامة الطرقية، خاصة في المناطق التي تفتقر إلى بنية تحتية ملائمة.
وفي هذا السياق، تأتي الفقرة التي تشير إلى العريضة الإلكترونية التي تجاوزت 200 ألف توقيع، لتؤكد أن الأمر لم يعد مجرد تذمر عابر، بل أصبح تعبيراً جماعياً عن رفض متجدد. غير أن هذه الفقرة، رغم دقتها الوصفية، تظل أسيرة مقاربة تقنية وقانونية، تركز على مسار العريضة وإجراءاتها أكثر مما تنصت إلى جوهر المشكلة: معاناة يومية يعيشها المواطن. فهي تُحسن توصيف “الدينامية الرقمية”، لكنها لا تمنح المساحة الكافية لتحليل أسباب هذا الغضب، ولا تربطه بشكل كافٍ بالسياق الاجتماعي والنفسي الذي يعيشه المغاربة.
كما أن التركيز على محدودية الأثر القانوني للعريضة، رغم وجاهته، قد يُفهم وكأنه تقليل من قيمة التعبير الشعبي، في حين أن هذا الحراك الرقمي يحمل دلالة عميقة تتجاوز الإطار القانوني، باعتباره مؤشراً على أزمة ثقة في السياسات العمومية المرتبطة بتدبير الزمن.
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في اعتماد الساعة الإضافية، بل في غياب نقاش عمومي تشاركي يوازن بين الاعتبارات الاقتصادية والإنسانية. فحين يشعر المواطن بأن الزمن المفروض عليه لا ينسجم مع حياته، يتحول الزمن نفسه إلى مصدر ضغط بدل أن يكون أداة تنظيم.
لقد أظهرت التجربة أن العودة المؤقتة إلى التوقيت القانوني خلال شهر رمضان تمنح المغاربة نوعاً من الراحة النفسية والجسدية، وهو ما يجعل إعادة فرض الساعة الإضافية بعده أشبه بصدمة زمنية متكررة، تعيد إنتاج نفس المعاناة كل سنة.
وفي ظل هذا الوضع، لم يعد كافياً التمسك بمبررات تقنية أو اقتصادية، دون تقييم شامل لتكلفة هذا الخيار على صحة المواطنين وجودة حياتهم. فالسياسات العمومية الناجحة هي تلك التي تنصت لنبض المجتمع، وتُخضع اختياراتها لمبدأ التوازن بين النجاعة الاقتصادية والرفاه الإنساني.
إن تجاوز 200 ألف توقيع على عريضة رقمية ليس مجرد رقم، بل رسالة واضحة مفادها أن الزمن، في المغرب، لم يعد مسألة عقارب ساعة، بل قضية كرامة يومية، تتطلب شجاعة سياسية لإعادة التفكير، لا مجرد تدبير تقني للأوقات.
16 mars 2026 - 13:00
06 mars 2026 - 14:00
16 février 2026 - 18:00
29 janvier 2026 - 14:00
23 janvier 2026 - 16:00
ضيوف المواطن