عبد القادر الفطواكي
في البداية، تبدو الفكرة التي يقوم عليها برنامج “النجم الشعبي” فكرة جميلة وأصلية، لأنها تضع الفن الشعبي المغربي في واجهة المشهد التلفزيوني، وتمنح للمواهب الشابة فرصة للظهور والاحتكاك والتجربة. غير أن ما يبدو في الظاهر مشروعاً فنيا يروم الاكتشاف، سرعان ما يتحول، عند التعمق في تفاصيله، إلى سؤال كبير حول طبيعة هذا النوع من الإنتاجات التلفزيونية هل نحن أمام برنامج فني فعلا، أم أمام منتوج إعلامي محكوم بمنطق آخر تماماً، منطق “البوز” وإثارة الجدل بأي ثمن؟.
ولعل التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الفنان الشعبي “حجيب”، بصفته عضواً “سابقا” في لجنة التحكيم، لم تأتِ من فراغ. سواء اتفقنا معها أو اختلفنا، فإنها أعادت إلى الواجهة نقاشا قديما متجددا حول ما يجري خلف الكاميرا في برامج المواهب، وحول المسافة الفاصلة بين ما يقدّم للمشاهد على الشاشة، وما يدار في الكواليس بعيداً عن الأضواء.
وفي هذا السياق، يثير غياب مدير فني واضح يشرف على البرنامج من زاوية أكاديمية ومهنية، إلى جانب غياب أساتذة متخصصين في تقنيات الصوت والأداء ورسم تحركات المشاركين على المسرح ومواجهة الجمهور، يطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة التأطير المقدم للمتسابقين، ومدى توفر شروط تكوين حقيقي داخل هذا النوع من البرامج، بدل الاكتفاء بمرافقة ظرفية مرتبطة بإيقاع التصوير والمنافسة التلفزيونية تحت إشراف "كوتش" لا يملك الأدوات والخبرة الكافية لهكذا مسؤوليات. وهو ما يجعل مسار التطوير الفني للمشاركين يبدو في كثير من الأحيان غير مكتمل، مقارنة بما تتطلبه الممارسة الغنائية من تكوين تقني وصوتي دقيق.
كما سجل عدد من المتتبعين لهذا الجنس من البرامج التليفزيونة بإستغراب كبير غياب إعلان كاستينغ مفتوح وشفاف للعموم، وظهور المتسابقين مباشرة في مراحل متقدمة من البرنامج، تساؤلات مشروعة حول آليات الانتقاء الأولى ومعايير اختيار المشاركين. فبرامج اكتشاف المواهب تقوم أساساً على مبدأ تكافؤ الفرص والانفتاح على أكبر عدد ممكن من الأصوات، وهو ما يبدأ عادة بكاستينغ علني وواضح يضمن الحد الأدنى من الشفافية والمصداقية قبل دخول غمار المنافسة التلفزيونية.
فحين يُقال إن هناك “لجنة ظاهرة” وأخرى “غير معلنة”، فإن السؤال لا يتعلق فقط بتفاصيل تقنية في التدبير، بل يمس جوهر الفكرة نفسها أين تنتهي سلطة اللجنة وأين تبدأ سلطة الإنتاج؟ وأي معنى يبقى لمفهوم التحكيم إذا كانت بعض القرارات تُحسم خارج الإطار الذي يراه الجمهور؟.
هنا تحديدا يبدأ التوتر الحقيقي بين “البرنامج كفكرة” و”البرنامج كصناعة”. فالأول يفترض أن يكون فضاءً لاكتشاف المواهب وتكافؤ الفرص، بينما الثاني يخضع في كثير من الأحيان لحسابات مختلفة، ترتبط بنسبة المشاهدة، وإيقاع الحلقة، وقدرة البرنامج على خلق الجدل الذي يُترجم إلى تفاعل رقمي واسع.
ولعل الملاحظة الأكثر إثارة في هذا السياق، هي ذلك التحول التدريجي في طبيعة برامج المواهب نفسها، حيث لم يعد النجاح مرتبطاً فقط بالموهبة، بل أيضاً بمدى قدرة الحلقة على إنتاج “حدث” قابل للنقاش والانقسام، أحياناً على حساب القيمة الفنية الأصلية.
أما مسألة مشاركة أسماء فنية معروفة داخل برنامج يُفترض أنه مخصص لاكتشاف المواهب الجديدة، فتفتح بدورها سؤالاً لا يقل أهمية: هل نحن أمام “اكتشاف” فعلا، أم أمام إعادة تدوير للأسماء داخل قالب تلفزيوني جذاب؟ وهل تتحول المنافسة هنا إلى فضاء غير متكافئ بين من يبحث عن فرصة أولى، ومن يملك بالفعل رصيداً فنياً وجماهيريا؟.
في العمق، لا يتعلق الأمر بأشخاص ولا بأسماء، بقدر ما يتعلق بمنطق إنتاج كامل، حيث تتداخل حدود الفن مع حدود التلفزيون، وحيث يصبح التشويق جزءا أساسيا من المعادلة، أحيانا على حساب الوضوح والشفافية الفنية.
ولعل الأخطر في هذا النوع من البرامج، ليس الجدل الذي يرافقه، بل اعتياد هذا الجدل نفسه. أي أن يصبح الخلاف، والانقسام، والتأويل، جزءاً طبيعياً من “وصفة النجاح”، حتى يكاد المشاهد لا ينتظر الحلقة بقدر ما ينتظر “الحدث” داخل الحلقة.
هكذا، يتسلل سؤال بسيط لكنه مزعج: هل ما نراه على الشاشة هو انعكاس لعملية اختيار فني نزيه، أم مجرد نسخة مصممة بعناية من أجل ضمان أقصى درجات التفاعل، ولو على حساب جوهر الفكرة الأصلية؟
في كل الحالات، يظل “النجم الشعبي” نموذجاً لبرنامج يقف على تخوم دقيقة: بين الفن والإنتاج، بين الاكتشاف والتسويق، وبين الموهبة والفرجة. وحده النقاش الصريح حول هذه الحدود هو ما يمكن أن يمنح مثل هذه التجارب معناها الحقيقي، بعيداً عن الضجيج الذي يرافقها، وقريباً من السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: من نصنع هنا بالضبط… الفنان أم الحدث؟
بلا ماضيعو الوقت "النجم الشعبي" لهذا السنة هو الشاب "وليد الذهبي"... سامدي سوار سعيد للجميع.
07 mai 2026 - 10:00
27 avril 2026 - 10:00
20 avril 2026 - 10:00
13 avril 2026 - 11:09
31 mars 2026 - 10:00
عندكم 2 دقايق