عبد القادر الفطواكي
ليست المشكلة في أن ترتفع أسعار المحروقات. ففي عالمٍ مضطرب تتقاذفه الحروب ويعيش على وقع توتر دائم في الممرات البحرية وسلاسل الإمداد، يبدو ارتفاع كلفة الطاقة أمراً شبه محتوم. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الأزمات الدولية إلى ذريعة محلية لتضخم الأسعار بسرعة مذهلة، بينما تتباطأ بنفس القدر عندما تهدأ الأسواق العالمية. عندها لا يعود الأمر مجرد تقلب طبيعي في السوق، بل يصبح سؤالاً عن العدالة الاقتصادية وعن حدود الرقابة في قطاع يمس الحياة اليومية لكل مواطن.
ما حدث في المغرب ليلة الـ 16 من مارس الجاري، لم يكن مجرد تعديل تقني في لوحات الأسعار. كان مشهدا سرياليا يختصر علاقة ملتبسة بين المستهلك وسوق المحروقات. قبل دقائق من منتصف الليل، اصطفت السيارات في طوابير طويلة أمام محطات الوقود، وتباطأت حركة السير في عدد من الشوارع الحيوية، بينما كانت لوحات إلكترونية تستعد لتغيير أرقامها معلنة زيادة جديدة: درهمان في الغازوال 1.40 سنتيما في البنزين.
لكن خلف هذا المشهد البسيط ظاهريا يختبئ سؤال أكثر تعقيداً: أي منطق اقتصادي يبرر أن يُباع الوقود بالسعر الجديد فور الإعلان عن الزيادة، حتى عندما يكون جزء كبير منه قد تم اقتناؤه مسبقاً بأسعار أقل؟ وإذا كان المخزون يُستعمل دائما حجة لتأخير انخفاض الأسعار عندما تتراجع في السوق الدولية، فلماذا يختفي هذا المنطق نفسه عندما يتعلق الأمر بالزيادة؟
المفارقة لا تقف عند هذا الحد. فقد أفادت شهادات عديدة بأن بعض المحطات بادرت إلى تغيير أسعارها قبل الوقت القانوني المحدد لدخول الزيادة حيز التنفيذ، فيما فضلت محطات أخرى إغلاق أبوابها ساعات قبل الموعد الرسمي، وكأن السوق بأكملها دخلت في سباق صامت لتفادي بيع الوقود بالسعر القديم. في اقتصاد السوق، قد يُفهم السعي إلى الربح، لكن ما يصعب فهمه هو غياب الحدود الفاصلة بين المنافسة المشروعة واستغلال الظرفيات.
الحقيقة التي يعرفها الجميع أن المغرب يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد المشتقات النفطية المكررة، في غياب مصفاة وطنية عاملة منذ سنوات. هذا الواقع يجعل البلاد أكثر تعرضاً لتقلبات السوق الدولية، لكنه في الوقت نفسه يضع مسؤولية أكبر على عاتق المؤسسات الرقابية لضمان شفافية الأسعار وحماية التوازن داخل السوق.
غير أن ما يعمق القلق هو أن قطاع المحروقات في المغرب يبدو، في نظر كثير من المواطنين، قطاعاً يشتغل بإيقاع خاص. فالسوق التي تضم نحو 3350 ثلاثة محطة وقود يهيمن على ثلاثة أرباعها تقريباً عدد محدود من الشركات الكبرى، ليست مجرد سوق عادية، بل فضاء اقتصادي حساس تتقاطع فيه المصالح التجارية مع الأمن الطاقي والقدرة الشرائية للمواطنين.
في هذا السياق، تعود إلى الواجهة أسئلة قديمة لم تجد بعد أجوبة واضحة: لماذا لا ينعكس انخفاض الأسعار العالمية بالسرعة نفسها التي تنعكس بها الزيادات؟ وكيف يمكن تفسير ضعف المخزون الاستراتيجي الذي لا يتجاوز في المتوسط ثلاثين يوماً من الاستهلاك، في حين ينص القانون على ضرورة توفر احتياطي يعادل ستين يوماً على الأقل؟ وأين تقف حدود مسؤولية الشركات الخاصة في ضمان هذا المخزون بعد تحرير أسعار المحروقات؟
إن النقاش حول أسعار الوقود لم يعد مجرد نقاش تقني يتعلق بدرهم إضافي هنا أو هناك. إنه في العمق نقاش حول نموذج اقتصادي كامل، وحول معنى السوق الحرة عندما يشعر المستهلك أنه الطرف الوحيد الذي يتحمل دائماً كلفة الأزمات.
قد ترتفع أسعار النفط بسبب حرب هنا أو توتر هناك، وقد تضطرب الإمدادات بسبب إغلاق ممر بحري أو تعطل مصفاة. لكن ما لا ينبغي أن يحدث هو أن تتحول هذه الأزمات إلى فرصة دائمة لرفع الأسعار في اتجاه واحد. ففي اقتصاد حديث، لا يمكن أن تقوم الثقة بين المواطن والسوق على أرقام تتغير بسرعة الضوء عندما ترتفع، ثم تتحرك ببطء شديد عندما يُفترض أن تنخفض.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يتردد كلما ارتفعت أسعار الوقود في المغرب: هل نحن أمام سوق حرة فعلاً، أم أمام سوق تحررت من القيود أكثر مما تحررت للمنافسة؟
06 mars 2026 - 14:00
16 février 2026 - 18:00
29 janvier 2026 - 14:00
23 janvier 2026 - 16:00
20 janvier 2026 - 17:00
مواطن حمدي06 mars 2026 - 14:00