عبد القادر الفطواكي
لم تكن كأس أمم إفريقيا التي يحتضنها المغرب مجرد تظاهرة رياضية عابرة، بل لحظة رمزية بدلالات كبرى. بطولة قارية في بلد اختار أن يجعل من الرياضة جسرا للتلاقي وتلاقح الثقافات، ومن التنظيم المحكم رسالة إلى إفريقيا والعالم بأن الاختلاف لا يفسد الاحترام، وأن السياسة يجب أن تبقى خارج أسوار الملاعب. غير أن ما رافق مشاركة المنتخب الجزائري، قبل إقصائه، أكد - للأسف - صدق عبارة القاص المغربي أحمد بوزفور حين قال:"يوجد دائمًا من يفسد الحكاية"؛ إذ كشفت تلك المشاركة أن بعض العقليات ما زالت عاجزة عن استيعاب معنى اليد الممدودة، ومفهوم حسن الضيافة، وأخلاقيات التنافس الشريف، فحوّلت عرسا كرويا جامعا إلى مساحة توتر واستفزاز، وأقحمت ما لا رياضي في فضاء كان يفترض أن يظل محصنا بالقيم والاحترام المتبادل.
منذ سنوات، ما فتئ الملك محمد السادس يؤكد، في خطبه الرسمية المتكررة، أن المغرب لا يعتبر الشعب الجزائري خصما ولا عدوا، بل شقيقا، وأن اليد المغربية ستظل ممدودة دون شروط أو حسابات، إيمانا بوحدة المصير المغاربي، ووعيا بأن الخلافات السياسية لا يجب أن تتحول إلى قطيعة بين الشعوب. هذه اليد لم تكن مجرد خطاب، بل تُرجمت على الأرض خلال "كان المغرب": استقبال كريم، إقامة فاخرة، أمن منضبط، وتنظيم احترافي لم يميز بين منتخب وآخر.
لكن، ويا للمفارقة الغريبة العجيبة، قوبلت هذه الروح بسلسلة من التصرفات التي لا يمكن وصفها إلا بأنها نكران للجميل وإساءة متعمدة. واقعة حجب صورة ملك البلاد وإخفاء العلم الوطني داخل فندق يحتضن بعثة رسمية ليست سلوكا عفويا ولا “خطأ بروتوكوليا”، بل فعل رمزي ثقيل، يمس سيادة الدولة المضيفة، ويعكس رغبة مبيتة في جرّ السياسة إلى فضاء يفترض فيه الحياد والاحترام وتلك كانت السقطة الأولى لبعثة غداها جنيرالات قصر المرادية ببعض من أحقادها.
وفي المدرجات، تحولت “المساندة” إلى استفزاز فجّ. من التفاخر بسلوكيات مشينة داخل الملاعب، إلى تمزيق العملة الوطنية المغربية في مشاهد موثقة، ومن رفع شعارات سياسية محظورة، إلى سبّ مدن مغربية وساكنتها. أفعال لم تستهدف فقط صورة المغرب، بل أساءت، قبل كل شيء، إلى صورة الجزائر نفسها، وإلى جمهورها الواسع الذي لا يمكن اختزاله في هذه النماذج المنفلتة التي تفوح منها روائح نتنة نتانة فيديو "المؤثر الغبي" الذي دنس معلمة مركب الأمير مولاي عبد الله بالرباط.
أما داخل المستطيل الأخضر، فقد اختلطت الحماسة بانفلات غير مبرر. حركات مستفزة من بعض اللاعبين بعد الانتصارات، إيحاءات غير أخلاقية، ثم مناوشات وشغب عقب الإقصاء أمام نيجيريا، استُعملت خلالها الشهب الاصطناعية، وجرى استهداف عناصر الأمن ومحاولة اقتحام أرضية الملعب. مشاهد لا تليق لا بتاريخ المنتخب الجزائري، ولا بقيمة كأس أمم إفريقيا، ولا بروح اللعب النظيف التي يفترض أن تكون عنوان البطولة.
الإعلام الجزائري، أو جزء منه على الأقل، يتحمل نصيبا وافرا من المسؤولية. فبدل تهدئة النفوس، وتذكير الجماهير بأنهم ضيوف في بلد فتح أبوابه وقلوبه، اختار خطاب التهييج، ونظرية المؤامرة، وبث الكراهية، وكأن المطلوب ليس الاستمتاع بكرة القدم، بل تصدير العداء، وتغذية الشعور بالخصومة مع بلد لم يصدر عنه سوى الدعوة إلى الأخوة.
الأخطر في كل هذه الوقائع أنها لم تكن رد فعل على الإقصاء، بل سبقت الهزيمة. ما يعني أن المشكلة ليست خسارة مباراة، بل أزمة وعي رياضي وأخلاقي، ترى في البطولة ساحة لتصفية الحسابات، لا فضاء للتنافس النبيل.
لقد نجح المغرب، باعتراف القريب والبعيد، في تنظيم نسخة استثنائية من كأس أمم إفريقيا. ونجح، مرة أخرى، في الفصل بين الدولة الرصينة التي تمد يدها، وبعض الأصوات التي تصر على عضّها. فالتاريخ لا يُكتب بالصراخ ولا بالاستفزاز، بل بالمواقف. وموقف المغرب كان واضحًا: اليد ممدودة، والباب مفتوح، والرياضة جسر لا خندق.
أما الذين اختاروا الإساءة، فقد أساؤوا لأنفسهم قبل غيرهم، وضيّعوا فرصة نادرة ليقولوا إن كرة القدم يمكن أن تكون أقوى من الخلاف، وأن الأخوّة المغاربية ليست مجرد شعار في الخطب، بل سلوك في المدرجات، واحترام في الملاعب، ووعي في الإعلام.
06 janvier 2026 - 18:00
16 décembre 2025 - 14:00
06 décembre 2025 - 20:00
18 novembre 2025 - 14:00
10 novembre 2025 - 11:00
05 janvier 2026 - 14:00