عزيز بوستة
كانت الصدمة باردة، بالمعنيين الحرفي والمجازي. فوسط أمطار غزيرة، تلقى المغرب هدف السنغالي " بابي جاي"، هدفٌ سقط ككرة ثلج باردة على أرضية الملعب، وعلى المدرجات، وعلى المملكة بأكملها.
هل خسر المغرب النهائي؟ نعم. هل نجح المغرب في تنظيم كأس إفريقيا؟ نعم أيضاً. غير أن ذلك لم يمنع نشوة وطنية انقلبت إلى خيبة جماعية، ومرارة شديدة خلفتها الهزيمة، بعد مباراة لم يلعب فيها السنغاليون بروح اللعب النزيه، وهو أمر لا يطعن في فوزهم من حيث النتيجة، لكنه يقلّص من قيمته المعنوية ويحدّ من رمزيته الأخلاقية.
لقد أوفت هذه النسخة من كأس إفريقيا للأمم بكل وعودها. هل كانت الأفضل في تاريخ المسابقة كما يُروَّج لذلك داخل بلادنا؟ لا أحد يعلم، لكن المؤكد أن المغرب احترم جميع التزاماته، وبصورة مشرّفة للغاية. فعلى امتداد شهر كامل، عاش المغرب على إيقاع العرس الكروي: جماهير متحمسة وألعاب نارية، ألوان زاهية وإيقاعات صاخبة، رقصات وفولكلور في كل زاوية، وفود رسمية وازنة، ومشجعون قدموا من مختلف أنحاء القارة بأعداد غير مسبوقة، ومدن مغربية تزيّنت بألوان المنتخبات الـ 24 المشاركة… وجمهور ساحر ومتحضّر، يغني ويرقص، وفيّ ومحترم. نعم، لقد رفعت هذه النسخة من “الكان” سقف التنافس وأعادت الاعتبار للمسابقة.
المغرب كان قد فكّر في كل شيء… بل وأكثر. فقد جرى التدقيق في أدق التفاصيل، والعناية بكل الجوانب التنظيمية، لجعل هذا الحدث القاري تظاهرة كروية ذات إشعاع عالمي. وبالطبع، لا وجود للكمال المطلق، وسُجلت بعض الهفوات هنا وهناك، في الملاعب ومحيطها، في النقل، وفي التذاكر… وهو أمر جد عادي للغاية.
لكن، وبعد كل ذلك، يمكننا اليوم أن نقول: نحن المغاربة وُصفنا باللصوص والمزوّرين، بالفاسدين والمتغطرسين، بل وحتى بالقتلة ! تحمّلنا كل شيء، وصمدنا أمام هذه الحملة القارية من الحقد، بسلاحنا المعروف: روح الدعابة وحسن المعاملة. كنا البلد المضيف، وهذا يفرض علينا التزاما أخلاقيا؛ لأن الاستقبال عندنا يعني الكرم، وجودة الضيافة، وحسن النية، والسخاء، بل وحتى التسامح والتفهم عند وقوع الانزلاقات. وقد جسّد المغرب كل هذه القيم، ليُظهر للعالم ما تستطيع إفريقيا إن أرادت، وكيف تثق إفريقيا في نفسها.
ما لم يكن المغرب يتوقعه، والذي سيظل وصمة في ذاكرة هذه الدورة، هو سلوك بعض الوفود والمنتخبات وأطقمها التقنية. كان متوقعا عداء جزء من الجمهور الجزائري، وقد لمسناه طوال مشاركتهم وإقامتهم، وهم يهيئون لخروجهم المبكر باتهام المغرب بكل النقائص.
لكن لم يكن أحد يتوقع هذا السيل من التصريحات العدائية، غير المبررة والساذجة، من البلجيكي هوغو بروس، مدرب جنوب إفريقيا، ولا هذا الكم من الوقاحة والتعالي من المدرب المصري حسام حسن، الذي أساء إلى صورة بلده أكثر مما أساء إلى المغاربة.
غير أن السلوك السنغالي كان الأكثر إثارة للدهشة وخيبة الأمل. وقد بدا ذلك منذ وصول المنتخب السنغالي إلى محطة الرباط عشية النهائي، حين التف اللاعبون حول جماهيرهم. وحتى على فرض وجود خلل أمني، وهو الأمر الذي لم يثبت، خاصة وأن السنغاليين هم من دعوا أنصارهم للحضور، وبذلك فإن الاتحاد السنغالي لم يكن مطالبا بإصدار بيان بالصيغة العدائية والروح الاستفزازية التي حملها.
هل يمكن لمباراة كرة قدم، حتى وإن كانت نهائي “الكان”، أن تمحو تاريخا حافلا من الصداقة بين البلدين؟ يبدو أن الجواب نعم. وزادت الأمور سوءا تصريحات رسمية سنغالية غير صحيحة بخصوص الإقامة ومكان التداريب، ما دفع “الكاف” إلى تصحيح المغالطات. ثم أصبحت النية المسبقة أكثر وضوحا عندما تحوّل بعض المشجعين من جماهير ملونة بألوان العلم السينغالي إلى مجموعات اقتحام حاولت غزو أرضية الملعب.
لقد صُدم الجمهور المغربي والأجنبي بسلوك مدرب السنغال، الذي أمر لاعبيه بمغادرة الملعب؛ كان يدرك تماماً ما يفعل، وبدا الأمر وكأنه توزيع أدوار بينه وبين ساديو ماني، الأول يدفع اللاعبين نحو النفق، والثاني يأمرهم بالعودة.
وزادت الجراح عمقا بعد نهاية المباراة، عندما حاول عشرات من المشجعين السنغاليين اقتحام أرضية الملعب “للانتقام”، واعتدوا بعنف - بل بوحشية - على المنظمين، وقذفوهم بالكراسي والأجسام الصلبة، بنية الإيذاء وسفك الدماء، في اللحظة ذاتها التي كان فيها سّي إبراهيم ينفذ ركلة الجزاء. صحيح أن الأمر يتعلق بجزء من الجماهير فقط، لكن لم تُسجل إلى اليوم أي إدانة واضحة من باقي المشجعين السنغاليين، داخل المغرب أو خارجه.
هل هكذا يكون السلوك في بلد صديق؟ .. هل هكذا تُربح البطولات؟ .. هل هذا هو الروح الرياضية واللعب النظيف؟ .. الجواب: لا. وبلا تردد.
وقد فهمت “الكاف” ذلك جيدا، حين وعدت بعقوبات صارمة، كما أن “فيفا” جياني إنفانتينو تنتظر بدورها الإجراءات القارية لاتخاذ ما يلزم. ولن يخفف من وطأة الأمور ذلك البيان الغريب لوزارة الخارجية السنغالية الذي تغنّى بـ "الأخوة والوحدة"، ما لم تُرفق الأقوال بإجراءات تأديبية فعلية.
طيلة شهر كامل، تحمّل المغرب كل شيء، وسخّر خبرته لتنظيم بطولة كانت عيدا للإنسان ومرجعا للرياضة عامة ولكرة القدم خاصة. ويشهد على ذلك نوعية وعدد الشخصيات الرياضية العالمية التي زارت المملكة، والإشادة الواسعة التي حظيت بها التنظيم في وسائل الإعلام ومنصات التأثير الدولية. لكن هذه المباراة النهائية، بسلوك السنغاليين الرسميين واللاعبين والجماهير، شوّهت العرس وأسالت بقعة سوداء على صورة كرة القدم الإفريقية.
نعم، خسر المغرب النهائي أمام السينغال، وهذا مؤلم… لكنه ربح احترام أبنائه أولا، ثم تقدير الآخرين. وربح اعتراف منتخبات إفريقية لعبت بمهارة وخسرت بكرامة. وتعلم درساً مهماً: أن تكون مضيافا ومتسامحا، دون السقوط في عاطفية مفرطة لا يتقاسمها كثيرون في القارة.
نعم، خسر المغرب نهائيا، لكنه ربح فريقا، وربح ثقة بأنه أدى مهمته دون تقصير. وربح أملا في أن المغاربة، حتى في الشدائد، يعرفون كيف يتحدون، ويصمدون، ثم يتجاوزون المحن.
شكراً لوليد الركراكي وطاقمه، شكراً للفريق الذي نزف دماً في هذا النهائي (الشاب نائل العيناوي)، شكراً لقوات الأمن والمنظمين، للعاملين في الفنادق والنقل، شكراً للجمهور الذي أنعش الملاعب، وشكراً لكل المجهولين الذين لولاهم لما نجحت هذه البطولة.
نعم، تلقينا ضربة “كان” على الرأس، وضربة موجعة في القلب، بسبب جحود كثير من أصدقائنا الأفارقة… لكن رغم ذلك، فلتستمر المغامرة، ولكن هذه المرة دون سذاجة أو عاطفية مفرطة. والموعد… في الولايات المتحدة.
12 janvier 2026 - 16:00
06 janvier 2026 - 18:00
16 décembre 2025 - 14:00
06 décembre 2025 - 20:00
18 novembre 2025 - 14:00
12 janvier 2026 - 10:00