عبد القادر الفطواكي
في مفارقة سياسية ثقيلة الظل، اختارت الجزائر أن ترد على ما حققه المغرب من مكاسب دبلوماسية متسارعة بخطوة ارتجالية لامتصاص وقع التحولات الأخيرة والمكاسب الكبرى التي حققتها الرباط، عبر تنظيم ما وُصف بـ"مباراة استعراضية تجمع بين نجوم سابقين للمنتخب الوطني ومنتخب الصحراء الغربية"، احتضنها ملعب نيلسون مانديلا يوم 13 فبراير الجاري.
المبادرة العسكرية الجزائرية "الغبية"، قُدمها الإعلام الجزائري كإنجاز رمزي ذي أبعاد سياسية، بيد أنها بدت، في نظر كثير من المتتبعين لملف الصحراء، محاولة لتسييس الفعل الرياضي في لحظة ارتباك إقليمي واضح وهروب من واقع فرض على جنرالات قصر المرادية.
فبينما كانت الدبلوماسية الدولية تمضي في اتجاه تكريس مقاربة واقعية للنزاع حول الصحراء المغربية، وجدت الجزائر وجبهة البوليساريو نفسيهما أمام واقع جديد يتسم بصرامة أكبر في التعاطي مع هذا الملف. الحزم الأمريكي المتجدد، والتأكيد المتواصل داخل مجلس الأمن على أولوية الحل السياسي الواقعي والدائم، جعلا من مبادرة الحكم الذاتي الإطار المرجعي لأي تسوية ممكنة. في ظل هذا المناخ، لم تجد الجزائر سوى التنفيس الرمزي عبر خلق كيان رياضي بلا سند قانوني أو اعتراف قاري.
المفارقة أن هذا المسار الرياضي الموازي ليس جديدا. فقد سبق للجزائر أن حاولت، عبر قنواتها الكروية، الدفع نحو قبول تمثيل رياضي للبوليساريو داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، غير أن المحاولة اصطدمت برفض واضح، كان آخره في يونيو من سنة 2023. كما أن تعديلا قانونيا صادق عليه الاتحاد خلال جمعيته العامة بالرباط سنة 2021 شدد على أن الكيانات غير الأعضاء في الأمم المتحدة لا يمكنها الانضمام إلى منظمات دولية ذات طابع رياضي أو ثقافي. بذلك أُغلق الباب قانونيا، فلم يبقَ سوى مسرح رمزي يقام فوق العشب الأخضر.
وإذا كانت المباراة قد روج لها كرسالة سياسية، فإنها في العمق عكست حجم التباين بين منطقين الأول منطق يستثمر في قرارات مجلس الأمن، وفي نسج التحالفات الدولية، وفي تثبيت المواقف داخل العواصم المؤثرة؛ ومنطق آخر يراهن على لقطات إعلامية عابرة. فالنزاعات لا تحسم في مباريات استعراضية، بل في غرف التفاوض حيث تُصاغ القرارات وتُبنى التوافقات.
لقد راكم المغرب خلال السنوات الأخيرة مكاسب دبلوماسية وازنة، نقلت مبادرة الحكم الذاتي من خانة المقترح إلى مرتبة الحل الجدي والواقعي في نظر عدد متزايد من الدول. وتوالت المواقف الداعمة، سواء من قوى دولية كبرى أو من دول افتتحت قنصليات في الأقاليم الجنوبية، في تعبير صريح عن اعتراف فعلي بالسيادة المغربية. هذا التراكم لم يكن وليد لحظة، بل ثمرة استراتيجية طويلة النفس جمعت بين الحضور القاري الفاعل والانفتاح الدولي المتوازن.
في المقابل، تبدو محاولات الزج بالرياضة في الصراع السياسي اعترافًا ضمنيًا بضيق هامش المناورة الدبلوماسية. فعندما تُغلق أبواب المؤسسات الدولية أمام أطروحة معينة، يلجأ أحيانا إلى الرمزية لتعويض الخسارة. غير أن الفرق شاسع بين صورة تُلتقط في ملعب، وقرار يُدون في وثيقة أممية؛ بين جمهور يصفق لمباراة ودية، ومجتمع دولي يصوغ موقفا رسميا من نزاع إقليمي.
هكذا تحوّلت “المباراة الاستعراضية” من حدث كروي عابر إلى عرض مسرحي مفتوح على مفارقات الجغرافيا والسياسة. فريقان بلا صفة رسمية، يتقاسمان نفس المجال الترابي، لكنهما يُقدَّمان للجمهور كما لو أن بينهما حدودًا دولية وحكاية سيادة كاملة الأركان. أحدهما منتخب قدامى، والآخر “منتخب” كيان وُلد في كواليس السياسة، فكان المشهد أقرب إلى مباراة بين الجزائر الشمالية والجزائر الجنوبية، مع فارق بسيط: أن الخريطة نفسها لم تُبلَّغ بالأمر بعد.
وفي الوقت الذي يتقدم فيه المسار التفاوضي نحو مقاربة واقعية تضع الحكم الذاتي في صلب الحل، بدا الرهان على كيانات موازية أشبه بمحاولة تنظيم كأس عالم في ملعب من ورق. هناك من يراكم الاعترافات الدولية والقرارات الأممية، وهناك من يراكم الصور التذكارية والمباريات الرمزية. وبين رصيد دبلوماسي يُقاس بالمواقف الرسمية، ورصيد كروي يُقاس بعدد القمصان الموزعة، تبدو النتيجة أوضح من أن تُحجب بلافتة ترحيب أو بصافرة بداية.
29 janvier 2026 - 14:00
23 janvier 2026 - 16:00
20 janvier 2026 - 17:00
12 janvier 2026 - 16:00
06 janvier 2026 - 18:00
10 février 2026 - 16:30