عبد القادر الفطواكي
في زمن تتسارع فيه التحولات الفكرية والمنهجية في حقل الدراسات التاريخية، لم يعد التاريخ مجرد سرد للأحداث أو توثيقٍ للوقائع، بل غدا علما يسعى إلى تفكيك البنيات العميقة للمجتمعات، واستنطاق الذاكرة الجماعية، والكشف عن ديناميات تشكل الثقافة والذهنيات والمؤسسات. وفي هذا السياق، يبرز إسم الدكتور أحمد الصديقي - أستاذ التاريخ والحضارة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء- باعتباره واحدا من الباحثين المغاربة الذين أسهموا في توسيع آفاق البحث التاريخي، من خلال مقاربات تجمع بين التاريخ الاجتماعي والثقافي، ودراسة الذهنيات، وتحليل المصادر، واستحضار خصوصيات المجال المغربي والغرب الإسلامي.
وتعكس إنتاجاته العلمية اهتماما واضحا بقضايا ظلت لسنوات طويلة على هامش الكتابة التاريخية، من قبيل تاريخ الكتاب والقراءة، والواحات، والإعاقة، والفقه، والعمران، بما يجعل من مؤلفاته مشروعا معرفيا يروم إعادة مساءلة التاريخ المغربي من زوايا جديدة، تتجاوز السرد السياسي التقليدي إلى استحضار الإنسان في مختلف تجلياته الاجتماعية والثقافية.
في هذا الحوار، نحاول الاقتراب من الرؤية الفكرية والمنهجية لمنسق ماستر المغرب والهجرة الدولية: تاريخ وتنمية الدكتور أحمد الصديقي، والوقوف عند أبرز مرتكزات مشروعه البحثي، واستجلاء تصوره لرهانات الكتابة التاريخية بالمغرب، ولموقع المؤرخ في ظل التحولات التي يشهدها حقل العلوم الإنسانية، فضلًا عن مناقشة بعض القضايا التي شغلت أعماله، من نقد المصادر إلى تاريخ الذهنيات، ومن المجتمع الواحي إلى الذاكرة الثقافية، في أفق الإسهام في تعميق النقاش العلمي حول قضايا التاريخ المغربي والغرب الإسلامي.
- في ظل التحولات التي عرفها حقل الدراسات التاريخية، كيف تنظرون إلى وظيفة المؤرخ اليوم؟ وهل ما زالت الكتابة التاريخية تقتصر على تتبع الوقائع السياسية، أم أنها أصبحت مطالبة بالانفتاح على قضايا المجتمع والثقافة والإنسان؟
لقد تجاوزت الكتابة التاريخية منذ عقود طويلة حدود التاريخ السياسي التقليدي الذي كان يجعل من الدولة والحروب والسلاطين محورا رئيسا للسرد التاريخي. فالمؤرخ اليوم مطالب بالبحث في الإنسان داخل مجتمعه، وفي أنماط عيشه، وفي ذهنياته، وممارساته الثقافية والدينية والاقتصادية. لهذا حاولت في عدد من أعمالي أن أقترب من موضوعات ظلت لسنوات بعيدة عن اهتمام المؤرخين، مثل تاريخ الكتاب، والواحات، والفقه، والإعاقة، باعتبارها مداخل أساسية لفهم المجتمع المغربي في مختلف تحولاته. فالتاريخ لم يعد مجرد تسجيل للأحداث، بل أصبح علمًا لتحليل البنيات الاجتماعية والثقافية وإعادة تركيبها في سياقها التاريخي.
ومن هذا المنطلق، أعتقد أن المؤرخ لم يعد مطالبًا بإنتاج سردية جديدة فحسب، بل بإعادة طرح الأسئلة نفسها من زوايا مختلفة. فالتاريخ يتجدد كلما تجددت أسئلته، وكلما انفتح على حقول معرفية أخرى كالسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والجغرافيا التاريخية. لذلك فإن استنطاق الوثيقة لا يقتصر على ما تقوله صراحة، وإنما يشمل أيضا ما تخفيه، وما سكتت عنه، وما يمكن استخلاصه من خلال مقارنتها بغيرها من المصادر. فالتاريخ، في نهاية المطاف، ليس إعادة إنتاج للماضي، وإنما هو بناء معرفي يقوم على النقد، والتحليل، والتركيب، في أفق فهمٍ أكثر عمقًا لتعقيدات المجتمع وتحولاته.
- خصصتم مؤلفا لدراسة مصادر تاريخ الغرب الإسلامي إلى مستهل القرن الخامس الهجري. لماذا تعتقدون أن إشكالية المصادر ما تزال تمثل أحد أكبر التحديات أمام الباحث في تاريخ المغرب؟
لا يمكن كتابة تاريخ علمي دون مساءلة المصادر التي يقوم عليها هذا التاريخ. فالمصدر ليس معطىً محايدا، بل هو خطاب أنتجه صاحبه في سياق سياسي أو مذهبي أو اجتماعي معين، وهو ما يفرض على الباحث التعامل معه بمنهج نقدي صارم. لهذا سعيت إلى إبراز الإشكالات التي تطرحها المصادر المتعلقة بتاريخ الغرب الإسلامي، سواء من حيث طبيعتها أو ظروف إنتاجها أو المقاربات التي اعتمدها الباحثون في قراءتها. إن تجديد المعرفة التاريخية يبدأ، في تقديري، من إعادة قراءة المصادر نفسها، وليس فقط من إعادة صياغة نتائج الدراسات السابقة.
وأعتقد أن أزمة البحث التاريخي ليست أزمة ندرة في المصادر بقدر ما هي أزمة في طرائق قراءتها واستثمارها. فكثير من النصوص التي اعتمدها المؤرخون لا تزال قابلة لإنتاج معارف جديدة متى أُعيدت مساءلتها في ضوء إشكالات منهجية مختلفة. لذلك فإن تجديد الكتابة التاريخية يظل رهينا بالانتقال من القراءة الوصفية للمصدر إلى القراءة التحليلية والنقدية، التي تتعامل مع الوثيقة باعتبارها بناءً تاريخيا وثقافيا يعكس رؤية عصره، أكثر من كونها مجرد مستودع للوقائع.
- في كتابكم حول الفقه ومجتمع الواحة، تبدو الواحات فضاءً تاريخيا غنيا، لا مجرد مجال جغرافي هامشي. كيف تفسرون هذا الاختيار؟
لفترة طويلة ظلت الواحات تُدرس باعتبارها فضاءات معزولة، بينما تكشف القراءة التاريخية الدقيقة أنها كانت مراكز للحياة الاقتصادية والعلمية والاجتماعية، وفضاءات لإنتاج المعرفة وتنظيم العلاقات داخل المجتمع. وقد حاولت من خلال المقاربة المونوغرافية أن أبرز كيف ساهم الفقه، باعتباره مؤسسة اجتماعية وثقافية، في تنظيم الحياة داخل المجال الواحي، وكيف يمكن لدراسة المجال المحلي أن تضيء قضايا كبرى في تاريخ المغرب. فالتاريخ المحلي ليس تاريخا هامشيا، بل هو مدخل لفهم التاريخ العام.
إن إعادة الاعتبار للتاريخ المحلي لا تهدف إلى تجزئة التاريخ الوطني، بل إلى إثرائه وتوسيع زوايا النظر إليه. فكل مجال يحتفظ بخصوصياته، لكنه يظل جزءًا من سيرورة تاريخية أوسع، تتفاعل فيها العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن ثم، فإن كتابة تاريخ المغرب تظل ناقصة ما لم تدمج فيها مساهمات المجالات المحلية، باعتبارها مكونات أصيلة في بناء التاريخ الوطني.
- يتضح من أعمالكم اهتمام خاص بتاريخ الذهنيات والكتاب والقراءة. إلى أي حد يمكن اعتبار الثقافة المكتوبة مفتاحًا لفهم التحولات الاجتماعية في المغرب الوسيط؟
لا يمكن فهم أي مجتمع بمعزل عن علاقته بالمعرفة وبوسائط إنتاجها وتداولها. فالكتاب لم يكن مجرد وعاء للنصوص، بل كان عنصرًا فاعلًا في تشكيل الذهنيات وإعادة إنتاج القيم والمعارف. لذلك حاولت دراسة تاريخ الكتاب والقراءة باعتبارهما مدخلًا لفهم تطور الثقافة المغربية والأندلسية، وكيف ساهمت المعرفة المكتوبة في بناء النخب العلمية وفي تشكيل التصورات الفكرية والاجتماعية. إن تاريخ الأفكار لا ينفصل عن تاريخ الوسائط التي حملتها ولا عن المجتمعات التي أنتجتها.
لهذا أرى أن الكتابة التاريخية مطالبة بالانتقال من دراسة النصوص في ذاتها إلى دراسة الحياة الاجتماعية للنصوص؛ أي كيف أُنتجت، ومن قرأها، وكيف أثرت في المجتمع، وما الذي تكشفه عن منظومة القيم والتمثلات السائدة في عصرها. فبهذه المقاربة يصبح تاريخ الكتاب مدخلا لكتابة تاريخ الثقافة، وتاريخ الثقافة مدخلا لفهم التاريخ الاجتماعي والحضاري للمغرب والغرب الإسلامي.
- إذا كان لكم أن توجهوا رسالة إلى الباحثين الشباب في التاريخ، فما المنهج الذي ترون أنه كفيل بإنتاج معرفة تاريخية جديدة تتجاوز التكرار؟
أعتقد أن مستقبل البحث التاريخي يرتبط أولا بحسن اختيار الموضوع، وثانيا بالصرامة المنهجية في التعامل مع المصادر، وثالثًا بالانفتاح على المناهج الحديثة في العلوم الإنسانية. لا يمكن للباحث أن يكتفي بإعادة إنتاج الأسئلة القديمة أو تلخيص ما كتبه الآخرون، بل ينبغي أن يبحث عن مناطق الصمت في التاريخ، وأن يمنح الكلمة للفاعلين الذين غابوا عن السرديات التقليدية. كما أن الجرأة العلمية لا تعني القطيعة مع التراث، وإنما تعني إعادة قراءته قراءة نقدية، قادرة على إنتاج معرفة جديدة، ومساهمة في تطوير الكتابة التاريخية المغربية.
إن الجامعة في حاجة اليوم إلى باحثين لا يكتفون باستهلاك المعرفة التاريخية، بل يسهمون في إنتاجها. وهذا يقتضي تكوينا منهجيا متينا، وإتقانا للغات ومناهج البحث، وانفتاحا على مختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية. فالمؤرخ لم يعد مجرد ناقل للماضي، بل أصبح منتجًا للمعنى، ومفسرًا للتحولات، ومسؤولا عن بناء معرفة نقدية تُسهم في فهم المجتمع وتاريخه، وتفتح آفاقا جديدة أمام الأجيال اللاحقة من الباحثين.
31 juillet 2026 - 11:30
27 juillet 2026 - 16:30
27 juillet 2026 - 11:00
22 juillet 2026 - 13:40
18 juillet 2026 - 20:00
مواطن حمدي